الثابت في الكتاب والسنة إنما يحصل بالتقوى.
وأنكر شيخ الإسلام بعض بدع متأخري الصوفية الذين يقولون للمريدين:"أنت للشيخ فلان وهو شيخك في الدنيا والآخرة"، وأبان أن هذا القول من البدع المنكرة، فلا يجوز أن يجعل المرء نفسه لغير الله، كما أنه لا يصح أن يقال: إن فلانا شيخك في الدنيا والآخرة، فهو كلام لا حقيقة له فإنه إن أراد أنه يكون معه في الجنة فهذا إلى الله لا إليه وإن أراد أنه يشفع فيه فلا يشفع أحد لأحد إلا بإذن الله تعالى إن أذن له أن يشفع فيه وإلا لم يشفع، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشفع حتى يأذن الله له في الشفاعة، فكيف بمن هو دونه. وكم من مدع للمشيخة وفيه نقص من العلم والإيمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى. [1]
وأنكر الشيخ قول من قال من الصوفية:"إن الله يرضى لرضا المشايخ ويغضب لغضبهم"، وبين أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وليس أحد معصوما إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان مبتدعا بدعة ظاهرة أو فاجرا فجورا ظاهرا، فهذا يجب الإنكار عليه كائنا من كان، لأن طاعة الله ورسوله أولى. [2]
القاعدة الخامسة عشرة: دراسة آراء السابقين من السلف دون تقديسها ما لم يحصل الإجماع عليها
من خلال دراسة تراث شيخ الإسلام ومراجعة منهجه العلمي، نجد أنه كان موقرا لسلف الأمة وآرائهم، عقيدة ومنهجا، إلا أنه ذلك لم يدفعه إلى تقدي ما لم يحمعوا عليه، فكل مسألة لم يقم عليها إجماع ثابت عن السلف فهي خاضعة للبحث والمناقشة، وهذا ما قام به شيخ الإسلام في دراسته لكل الآراء، وهذا هو الجانب التنظيري.
أما الجانب التطبيقي فقد نقل شيخ الإسلام ما نقل عن أئمة السلف في الصوفية، وأنهم ذموا التصوف، ولم يجعل ذلك النقل يؤثر على وجهته العلمية في تحرير محل النزاع، ولم يتهمه أعلام السلف ممن جاء بعده أنه يطعن في السلف كما يحصل في مثل هذه الأيام، فقد نقل شيخ الإسلام أن الأئمة الشافعي ومالك وطائفة من أهل العلم ومن العباد أيضا من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وأهل الحديث والعباد قد ذموا التصوف، بينما مدحه آخرون، إلا أنه ذهب إلى أن التحقيق فيه:"أنه مشتمل على الممدوح والمذموم كغيره" [3] ، فكما نرى أن شيخ الإسلام لم يقدس رأي من سبقه من الأئمة المجتهدين طالما أنه لم يخالف النص والإجماع، وإنما أخضعها للبحث والتحقيق كباحث محقق منصف، وكأنما يرد شيخ الإسلام على من يزعم نبذ التقليد، ثم يذهب فيقدس أقوال الأئمة، ويقبلها رغم أنها يمكن توجيهها بأكثر من وجه.
(1) - انظر مجموع الفتاوى (11/ 511 - 513)
(2) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 517)
(3) -انظر مجموع الفتاوى (10/ 370)