ومما يؤكد عناية شيخ الإسلام بالمعنى المراد من الاصطلاح، فقد تتبع الأسماء التي تسمى بها الزهاد الأوائل، وذكر أنه كان لهم أسماء عدة تختلف باختلاف مكانهم، فكانوا يسمون بالشام"الجوعية"، وبالبصرة"الفقرية"و"الفكرية"، ويسمون بخراسان"المغاربة"ويسمون أيضا"الصوفية والفقراء" [1] ، وهذا التعدد في الأسماء يدل على أن انتشار صورا المنهج الصوفي في بقاع الإسلام، مما يدل على أصالة نزعة الزهد لدى المسلمين، كما يدل على أن الأحكام التي تأتي من أحد العلماء كما ورد عن الشافعي في صوفية العراق، إنما تتصل بأهل هذا المصر فحسب، إلا إن صرح بأن ذلك أصل للطائفة ككل.
وحينما عرض شيخ الإسلام مذاهب شتى في اشتقاق التصوف والصوفية ذكر محاولة النسبة إلى صوفة بن مر، والصفاء، والصف المقدم، وأهل الصفة، إلا أن ما ارتضاه هو النسبة للباس الظاهر حيث قال:"واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح" [2] ، وبين أن الصوفية لم يلزموا أحدا بلباس الصوف، وإنما نسبوا إليه لأنه كان ظاهر حالهم [3] .
ومما يلفت النظر انشغال شيخ الإسلام إلى حد تتبع اصطلاحاته وأوصاف أهله ونشأته، وهو إن دل فإنما يدل على التحقيق في المسائل، وعدم التعجل في إصدار الأحكام، وطول النفس العلمي في التتبع، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا منهج سلفي أصيل ليت من ينتسب إليه أن يتتبعه، ولا يسيء إليه بتعجله.
كما نرى فقه شيخ الإسلام في حكمه على الصوفية الأوائل بالبدعة لأنهم لبسوا الصوف، وفسر أنهم قد لبسوه عفوا لا قصدا للتدين باللباس، وأنهم لم يلزموا أحدا بلباسهم، وهذا يخرجهم من طائل البدع التي جاء بها المتأخرون، فهم لم يتخذوا هذا اللباس دينا، وإنما كان يأخذه أحدهم تخشنا وزهدا في طلب المزيد للدنيا، فيكفيه ما يستر عورته فحسب.
ثالثا: تحقيق الشيخ نسبة التصوف إلى أهل الصفة ونفي معنى الانقطاع عن الدنيا للعبادة
وإذا كان أهل كل مذهب يحاولون إثبات أصالة مذهبهم، فلا شك أنهم يحاولون أن يعودوا بمذهبهم إلى المنبع الأول، عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، وإثبات ما هم عليه للنبي، ومن كان معه من الأصحاب، فحينما حاول البعض أن ينسب للتصوف أنه انقطاع للعبادة عن الدنيا، واحتجوا بأهل الصفة، جاء شيخ الإسلام فأوضح خطأ نسبة التصوف إلى أهل الصفة، وأن إقامتهم بمؤخرة المسجد للتعبد كان عرضا لا قصدا، فالصفة مكان يأوي إليه فقراء المسلمين ممن ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه، فكان المهاجرون من مكة
(1) -انظر مجموع الفتاوى (10/ 368)
(2) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 195)
(3) -انظر مجموع الفتاوى (11/ 16)