فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 47

يجعلنا نتيقن أنه ثم فرق بين المنهج والانتساب للمنهج، فالخيرية في المتقدم لأنهم السلف، والمتأخر هو من غير وبدل في الأصل الذي وضع له، لذلك نرى متقدمي أهل السنة يمدحون التصوف القائم على الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز أن يُنسَبَ لهم ما وقع فيه المتأخرون وما أحدثوه في التصوف الأصيل قبل دخول المحدثات والبدع عليه، لذلك على من اتبع طريق السلف أن يفهم جيدا مسألة التفريق بين الصوفية الأوائل والمتأخرين حتى لا يسيء للسلف بسوء فهمه للقضايا المطروحة، وقصر فهمه.

القاعدة الرابعة عشرة: التحقيق في المسائل وتفصيلها قبل إنزال الأحكام

فقد أبان شيخ الإسلام هذه القاعدة من خلال تحقيقة لما نسب إلى الصوفية من أقوال، وقد ذكر شيخ الإسلام هذه القاعدة في أثناء عرضه لمسألة الغشيان والسكر عن الصوفية بقوله:"فهكذا يجب التفصيل في هذه الأحوال والله أعلم" [1] كأنما يقول بلسان الحال والمقال رادا على من تسرع في الأحكام، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا ينبغي التسرع في الحكم وإنزاله على كل من حصل لهم الوجد أو السكر بحكم واحد، والظاهر أن شيئا من هذا التسرع قد حصل في عصره، وإلا لما أشار إليه في غالب كتاباته. ولدينا هنا تطبيقا لهذه القاعدة عدة أمثلة:

المثال الأول: تحقيق شيخ الإسلام في الغشيان والسكر والوجد الصوفي

فقد بين شيخ الإسلام أن هذا السكر الصوفي لم يكن حال الصحابة، وأنه تكلم به طائفة من متأخري الصوفية الذين كان يحصل لهم نوع من الوجد والذوق، مع سقوط التمييز والعقل مع حصول اللذة الناتجة عن الخشية، وقد يكون عن العجز عن الإدراك المفرط للعظمة التي تجلت للإنسان، كما حدث لموسى عليه السلام.

كما علق على الضابط لمشروعية هذا الفناء، وبيان المشروع منه من الممنوع بقوله:"يحمد مَا فِيهَا من الامور المحمودة الايمانية من ذوق اَوْ وجد ايماني مَشْرُوع اَوْ محبَّة ايمانية اوخشية ايمانية وَلَا يحمد مِنْهَا مَا زَاد على الْمُسْتَحبّ وَمَا شغل عَن مَا هُوَ احب مِنْهُ، ويذم مِنْهَا مَا تضمن ترك وَاجِب من علم اَوْ عمل اوفعل محرم" [2] ، ليس ذلك فحسب، بل وأبان شيخ الإسلام أن المذموم منها قد لا يكون بإرادة العبد، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعا.

وفي النهاية استنتج شيخ الإسلام حُكمَه أنه لا يُذَم بضابط، يقول شيخ الإسلام:"لَكِن اذا كَانَ المذموم بِغَيْر تَفْرِيط من العَبْد وَلَا عَن عدوان مِنْهُ لم يذم مِنْهُ، وكما ذكرت مثل ذَلِك فِي قاعة المولهين وعقلاء المجانين والمغلوبين فِي احوالهم وَمن يسلم اليه حَاله وَمن لَا يسلم اليه حَاله فَإِن السكر نوع من الْغَلَبَة ويذم من لم"

(1) -الاستقامة (2/ 164)

(2) -انظر الاستقامة (2/ 163 - 164)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت