فهذا التعليق العام هو ما يوقع القارئ في التعميم بالأحكام على التصوف ورفض التصوف بإطلاق، ورغم أن الواقع العملي قد يتمشى مع هذا التعميم، إلا أن الواقع العلمي يتنافي معه ويرفضه، خاصة بعدما سبب إشكاليات واتهامات متبادلة بين الطرفين، فسبيل العدل والإنصاف يقتضي بيان الحقائق العلمية، وإلا فلا يجوز لنا أن ننكر قول من ينتقص المنهج السلفي لانحراف بعض المنتسبين إليه علميا أو عمليا، فالعبرة بأصل المنهج، ولا يجوز الحكم عليه بعدم الشرعية أو التبديع المطلق طالما أنه انطلق من أصول صحيحة، وهذا ما ذكره الله جل وعلا بقوله في أصل توحيد النصارى ورصد الانحراف وذم من بدل، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [1] ، فلا ذنب لعيسى عليه السلام فيما بدله من جاء بعده، فلا يستحق الذم.
وليس معنى ذلك أن هؤلاء العلماء وهذه الجهات لم تفهم وسطية فكر ابن تيمية، بل قد فهموا وسطية منهج شيخ الإسلام في أحكامه على الصوفية، إلا أن هناك بعض الفتاوى التي خرجت مخرج الحكم المجمل، ومع الثقة في مرجعية هؤلاء العلماء، وذيوع صيتهم في الأمصار، وانتشار مصنفاتهم المقروءة، وتدوين المسموعة، وتتلمذ العديد من العلماء والدعاة على أيديهم، انتشرت هذه الفكرة عن الصوفية كافة.
وكان من هؤلاء الأعلام على سبيل المثال بعض المفتين السعوديين، كالشيخ محمد بن إبراهيم آلشيخ رحمه الله، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله [2] ، ومن كبار العلماء الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، ومن الجهات العلمية هيئة كبار العلماء، ولا شك أنهم جميعا من العلماء الربانيين بحق، إلا أنه مع متغيرات العصر، وشيوع طلب الفتوى عن طريق الإذاعة، والتي لا تيسر كثيرا من الوقت لتأصيل الإجابة، وأن الإجابة تكون حسب السؤال وواقع السائل، وخاصة مع انتشار الطرق الصوفية في بلاد الإسلام، فصار اسم التصوف لا يذكر إلا مقترنا بالطرقية والغلو.
وفيما يلي نوضح تأصيل هؤلاء العلماء وهذه الجهات حول الصوفية والتصوف، بين الإجمال والتفصيل.
(1) -سورة النساء (116 - 117)
(2) -كان الشيخ محمد بن إبراهيم آلشيخ مفتي المملكة العربية السعودية في الفترة من 1374 هـ إلى 1389 هـ، وكان الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة العربية السعودية في الفترة من 1414 هـ إلى 1420 هـ