فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 47

الموضع. [1]

والإنصاف مع المخالف لا يعني التمييع، وهذه القاعدة موجهة لمن يحاول الذب عن عقيدة السلف، وذلك بالشدة على أهل البدع، فبالرغم من أن الشدة على أهل البدع أمر محمود في الدين لأنه من الجهاد باللسان، لكن شتان ثم شتان بين تتبع المسائل ودراستها والتحقيق فيها، وبين من سلك مسلك الحكام المجملة، فكلام شيخ الإسلام في مدح الصوفية ليس معناه إذابة الفوارق بين الصوفية ككل، وبين أهل السنة، وهذا ما يستغله بعض متأخري الصوفية حينما يستدلون بأقوال شيخ الإسلام في الصوفية المتقدمين على أنه مدح للصوفية ككل، بل للأوائل منهم الذين كانوا على عقيدة السلف الصالح.

الموقف الثاني: بيان شيخ الإسلام في موافقة عقيدة الصوفية الأوائل لعقيدة السلف

كان شيخ الإسلام كثيرا ما يذكر أعلام التصوف المتقدمين، ويثني عليهم، ويبين موافقتهم لعقيدة السلف ومخالفتهم لطريقة من جاء بعدهم من الفرق، وكان يستشهد بأقوالهم في أن من لم يوافق عقيدة السلف لا يستحق أن يكون وليا لله، ويستدل على ذلك بقول أبي محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلي حينما سئل:"هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟"، فقال:"مَا كَانَ وَلَا يكون" [2] .

وكان شيخ الإسلام مدافعا عن عقيدة الصوفية الأوائل، ويشهد لهم بالعلم والفضل، من ذلك أنه ذب عنهم ورد على من شنع عليهم في مسألة نفي الصفات الإلهية، فقال أن شيوخ الصوفية المشهورون عند الأمة كالجنيد وسهل بن عبد الله التستري وعمرو بن عثمان المنكي وأبي العباس بن عطاء بل مثل أبي طالب المكي وأبي عبد الرحمن السلمي وأمثال هؤلاء محال أن يكونوا كالجهمية في سلب الصفات [3] .

وقد بين شيخ الإسلام أن عقيدة الصوفية التي صنفها القشيري توافق كثيرا من اعتقاد الأشعرية الذي غالبه مُوَافق لأصول السّلف، إلا أن الثابت عن أكابر الصوفية كالفضيل وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد وسهل بن عبد الله التستري يوافق ما كان عليه السلف، وقد جمع أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْكلاباذى كتاب التعرف لمذاهب التصوف الذي هو أصوب وَأقرب إِلَى مَذْهَب سلف الْأمة. [4]

وكان شيخ الإسلام يحتج بعقيدتهم في علو الله على عرشه، فذكر موقف الشيخ الصوفي أبي جعفر الهمداني مع أبي المعالي الْجُوَيْنِيّ وَهُوَ يَقُول كَانَ الله وَلَا عرش وَهُوَ على مَا عَلَيْهِ كَانَ، فَقَالَ الهمذاني: يا شيخ دَعْنَا من ذكر الْعَرْش أخبرنَا عَن هَذِه الضَّرُورَة الَّتِي نجدها فِي قُلُوبنَا فَإِنَّهُ مَا قَالَ عَارِف قطّ يَا الله إِلَّا وجد من قلبه ضروره بِطَلَب الْعُلُوّ وَلَا يلْتَفت يمنة ولايسرة فكيف ندفع هذه الضَّرُورة عن قلوبنا قال فصرخ أبو

(1) -انظر درء تعارض العقل والنقل (5/ 4 - 5)

(2) -انظر الاستقامة (1/ 85 - 86)

(3) -انظر بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (2/ 109 - 111)

(4) - انظر الاستقامة (1/ 81 - 83)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت