الفصل الثاني
إصلاح ذات البين
إصلاح ذات البين:
إن العبادات في الإسلام قائمة كلها على القلب، فالنية في كل عمل يتقرب به العبد إلى الله تعالى محلها القلب وبقدر حضور القلب وخشوعه وصفائه وحسن توجهه لله تعالى بقدر ما يكون القبول والأجر والثواب، وهذا ليس معناه التجزئة في الإقبال على الله تعالى ولكن معناه تمام الإقبال فالله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحًا ولوجهه وحده خالصًا. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً: إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ" (رواه البخاري) .
ولقد عَنِي الإسلام بالقلب عناية بالغة فنجد أن القرآن الكريم قد علق دخول الجنة على القلب السليم من أمراض القلوب التي تقطع الأواصر والعلاقات وتدبر الدسائس والمؤامرات وتفسد النوايا والعبادات فلا ينتفع بها صاحبها فتنقلب عليه وبالًا وتكون هباء منثورًا. قال تعالى:"يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ {88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ {89} " (الشعراء 88 - 89) .
ولقد امتدح الله تعالى أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام بأشياء كثيرة وجعل في مقدمتها سلامة القلب وحسن التوجه وصلاح النية ونبل المقصد. قال تعالى:"وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ {83} إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ {84} " (الصافات 84) .
إن التركيز على سلامة القلب بهذه الطريقة ليس ببعيد عن"إصلاح ذات البين"فما الإنسان الذي يتصدر لهذا الأمر إلا إنسان سليم القلب، حسن التوجه، صادق النية، قوي العزم والإرادة على إتمام ما انتدب له أو ما تطوع به. قال تعالى:"... إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ {88} " (هود من الآية 88) .