الصفحة 35 من 61

إن طرفي الشقاق لو أن قلوبهما حسنة التوجه لله تعالى، تخشى عقابه، وتسعى جاهدة لرأب الصدع وحسم الصراع والقضاء على الشحناء والعودة للحب والتواد والصفاء لقدَّر الله تعالى لهما خيرًا ولألف بين قلوبهما بل لصارا أكثر قربًا وحبًا وتراحمًا فيما بينهما. قال تعالى:"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا {35} " (النساء 35) . والكلام هنا لجميع الأطراف، لطرفي الخصام ولطرفي السعي للإصلاح بين المتخاصمين كما ذكر بن عاشور - رحمه الله - في التحرير والتنوير. والكلام إن كان في الإصلاح بين الزوجين بصفة خاصة فهو بين عموم المتخاصمين بصفة عامة. عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله:"إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا": وذلك الحكمان وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب. عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" (رواه مسلم) .

-إن بشريتنا تُحتم علينا أن نخطيء ولكن ديننا يُحتم علينا أن نتواد ونتصالح ونتغافر فيما بينا وبقدر ما في قلوبنا من إيمان بقدر زوال الخلاف والشقاق والشحناء والبغضاء فالعبادات كلها إنما تريد منا وحدة القلوب قبل وحدة القوالب فالقوالب المتنافرة لا تبني صفًا ولا ترفع شأنًا ولا تدفع عدوًا ولا تحقق غاية ولا تبلغ هدفًا.

عن أبي موسى الأشعري عبدالله بن قيس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ المُؤمِنَ للمُؤْمِنِ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا. وشَبَّكَ أصابِعَهُ" (رواه البخاري) .

-يقول الإمام بن القيم - رحمه الله - في"إعلام الموقعين":"فالصلح الجائز بين المسلمين هو يعتمد فيه رضي الله سبحانه ورضي الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا العدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم".

وتكمن أهمية إصلاح ذات البين في أنه عبادة جليلة لمن حرص عليها ولمن سعى بين الناس مُصلحًا فبالإصلاح تتماسك الأمة وتتآلف القلوب وتتوحد الكلمة وتقوى الشوكة ويندحر الأعداء وبدونه تفسد العلاقات وتبدد الثروات وتنتهك الحرمات وتتفكك المجتمعات وتضعف جميع الجبهات فلا يبقى للأفراد قوة ولا للمجتمع حرمة ولا منعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت