على بالنا أن ندعوه بسلطان العرب، وننادي به ملكا على بلاد العرب. ويكون أهل بيته في فاقة وشدّة عقب استقباله الأموال العظيمة آتية إليه من أنحاء الجزيرة العربية، فتكون في فناء مسجده أكواما، وتأتيه بنته وفلذة كبده فاطمة تشكو إليه ما تكابده من حمل القربة والطّحن بالرّحى حتى مجلت يداها، وأثّرت القربة في جسمها، والرسول يومئذ يقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم من عبيد الحرب وإمائها، فلا تنال بنته من ذلك إلا دعاءه لها بكلمات يعلّمها كيف تدعو بها ربّها. وجاءه ذات يوم صاحبه عمر، فأجال بصره في الحجرة فلم يجد إلا حصيرا من خوص قد اضطجع الرسول عليه، وأثر في جنبه، وكل ما في البيت صاع من شعير في وعاء، وعلى مقربة منه شنّ معلّق على وتد. هذا كل ما كان يملك رسول الله يوم دان له نصف العرب. فلما رأى عمر ذلك لم يتمالك نفسه من دموع تذرفها عيناه، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا عمر؟! فقال: ومالي لا أبكي، إنّ قيصر، وكسرى يتمتعان بالدّنيا، وينعمان بنعيمها، وإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يملك إلا ما أرى! فقال له الرسول سلام الله عليه: أما ترضى يا عمر أن يكون ذلك نصيب كسرى وقيصر من نعيم الدّنيا، وتكون لنا الآخرة خالصة من دون الناس؟!
وعند ما أحدق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بجيوشه ليفتح مكة قام أبو سفيان إلى جانب العباس عمّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ينظران إلى المجاهدين من المسلمين تتقدّمهم الأعلام الكثيرة، وكان أبو سفيان لا يزال على ما كان عليه من المخالفة للإسلام، فراعه ما رأى من كثرة جموع المسلمين ومن انضوى إليهم من القبائل المسلمة، وأنّهم يزحفون على بطحاء مكة كالسيل الجارف لا يصدّه صادّ ولا يمنعه شيء، فقال لصاحبه: يا عباس! إنّ ابن أخيك أصبح ملكا عظيما. فأجابه العباس وهو يرى غير الذي يراه أبو سفيان: ليس هذا من الملك في شيء يا أبا سفيان، هذه نبوّة ورسالة.
وعدي الطّائي، كان سيد طيئ، وحضر مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وهو لا يزال على المسيحية، فشاهد إعظام الصّحابة للرسول، وعليهم عدّة الجهاد من الأسلحة واللأمة للدّفاع، فاشتبه عليه أمر النبوة بأمر السّلطان، وتساءل في نفسه: أهذا ملك من الملوك، أم رسول من رسل الله؟ وفيما هو كذلك جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة فقيرة من إماء المدينة، وقالت له: أريد يا رسول الله! أن أسرّ إليك شيئا. فقال لها: انظري في أي سكك المدينة شئت أخل لك. ثم نهض معها، وقضى لها حاجتها. فلما رأى ابن حاتم الطائي هذا التواضع العظيم من الرسول العظيم، وهو بين أصحابه في مثل عظمة الملك، انجلى عنه ظلام الباطل، وتبيّن له الحقّ واضحا،