الصفحة 11 من 40

ويعظمون لصفات سامية أو حقيرة. وبين هؤلاء يكون الفقير الصابر أعظم قدرا من الغني الشاكر، وإعظام الناس لفضيلة الفقير هو الذي يجعل فقره عند نفسه شيئا ذا قيمة في الإنسانية.

ومتى تصححت آراء الجماعة في هذه المعاني المؤلمة للناس بطل ألمها واستحالت معانيها، وصار لا يبلى معنى من معاني الحياة في إنسان إلا وضع إيمانه معنى جديدًا في مكانه، وتصبح الفضيلة وحدها غاية النفس في الجميع، وبذلك يصبر الفرد على مصائبه، لا بقوته وحده، ولكن بجميع القوى التي حوله. أفلا ترون أن إعجاب الناس بالشجاعة وتعظيمهم صاحبها يضع في ألم السلاح لذة يحسها لحم الشجاع البطل؟ [1]

فالمنهج الذي سلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تشييد دولة الإسلام الأولي، والتمكين لدين الله في الأرض، حرص - صلى الله عليه وسلم - لأول وهلة على الظفر والانحياز الى جماعة تؤيده، وتؤازره وتعينه على أمره وكان يقول للناس - وهو يعرض نفسه عليهم في موسم الحج، وفي أسواقهم العامة:"ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ رسالة ربي فإن قريشا منعوني أن أبلغ رسالة ربي". . . . الحديث أخرجه أبو داود في السنة وما زال كذلك حتى قيض الله له نفرا من الأوس والخزرج حملوه الى المدينة المنورة وبذلوا الأرواح فداءً له ولدعوته حتى تمت كلمة ربه الحسنى.

وإذا كان هذا هو المنهج الذي سلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيره في إقامة دولة الإسلام فإن الواجب والمفروض علينا أن نقتدي وأن نتأسى به - صلى الله عليه وسلم - ولنا في رسول الله الأسوة والقدوة [2] .

يقول مصطفي مشهور:"إن رسالتنا في هذه الحياة هي عبادة الله تعالى وبها ننال رضوان الله والفوز بالجنة و النجاة من النار، ومفهوم العبادة ليس مقصورًا على العبادات كالصلاة و الصيام و الزكاة و الحج فقط ولكنه يشمل حياتنا كلها، فأكلنا عبادة وشربنا عبادة ونومنا وعملنا وعلمنا وزواجنا وكل أمور حياتنا عبادة، وكما نتحرى في صلاتنا وصومنا أحكام صحتها لتكون مقبولة ونلتزم بهدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها كذلك علينا أن نقتدى برسولنا في كل أمر من هذه الأمور وغيرها حتى تكون عبادة مقبولة."

ترى أصحاب المصانع يلتزمون بالتعليمات المصاحبة للآلات و التي وضعها مصمموا هذه الآلات كى يضمنوا سلامة سير هذه الآلات وعدم تعطلها، فما دمنا نوقن أن الله هو خالقتنا

(1) وحي القلم (2/ 88)

(2) في رحاب الإسلام (ص: 217)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت