فلما كان هذا، رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا [1] ... وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه، وامتثل أمره، وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده
(1) -قال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير من علم التفسير ج 3 ص 575:"واختلفوا في الذَّبيح على قولين:"
-أحدهما: أنه إِسحاق، قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والعبّاس بن عبد المطلب، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وأنس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبّه، ومسروق، وعبيد بن عمير، والقاسم بن أَبي بَزّة، ومقاتل بن سليمان، واختاره ابن جرير. وهؤلاء يقولون: كانت هذه القصة بالشام. وقيل: طويت له الأرضُ حتى حمله إلى المَنْحَر بمِنىً في ساعة.
-والثاني: أنه إسماعيل، قاله ابن عمر، وعبد الله بن سلام، والحسن البصري، وسعيد بن المسيّب، والشعبي، ومجاهد، ويوسف بن مهران، وأبو صالح، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن سابط.
واختلفت الرواية عن ابن عباس، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وروى عنه عطاء، ومجاهد، والشعبي، وأبو الجوزاء، ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، وروى عنه سعيد بن جبير كالقولين. وعن سعيد بن جبير، وعكرمة، والزهري، وقتادة، والسدي روايتان. وكذلك عن أحمد رضي الله عنه روايتان. ولكلِّ قومٍ حُجَّة ليس هذا موضعها، وأصحابنا ينصرون القول الأول.
قال ابن كثير رحمه الله في كتابة التفسير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2، 1420 هـ، 1999 م، ج 7 ص 27"قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم، عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل ولد ولإبراهيم، عليه السلام، ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة =وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فأقحموا هاهنا كذبا وبهتانا"إسحاق"، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا"إسحاق"لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب (1) مكة وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال:"وحيد"إلا لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار."
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلما من غير حجة. وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} . ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إنا نبشرك بغلام عليم} [الحجر:53] . وقال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود:71] ، أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل. وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله [تعالى] (2) قد وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا، وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام.
وقوله: {فلما بلغ معه السعي} أي: كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه. وقد كان إبراهيم، عليه السلام، يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد"فاران"وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك، فالله أعلم"."
ثم ذكر بعدها من قال بأنه إسحاق عليه السلام ثم قال:"ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل عليه السلام، وهو الصحيح المقطوع به"ينظر ج 7 ص 33.