وأكثر هذه الأشياء وُجد المقتضي لفعلها، وانتفى المانع من ذلك فلم تُعدَّ بدعة، ولم يحكم عليها أحد بحدث.
ثم يقال أيضًا: إن من المعلوم أن التعبدات المحضة قد فُرغ منها بانقطاع الوحي، ولا يُمكن أن يتصور أن يكون التطور مؤثرًا في حكمها من حيث المشروعية أو عدمها؛ كالذي قالوه في بعض الوسائل؛ كمكبرات الصوت في الأذان؛ بحيث تكون مشروعيتها مرتبطة بالإمكان أو عدمه.
وإذا كنت لا تتصور أن يكون التطور مؤثرًا في عدد الركعات أو الجمرات أو المواقيت أو فترة الصيام ـ لأننا نقول: إنها توقيفية ـ فلا يجوز أن نتصور أن يؤثر التطور في نوع آخر من التوقيف.
ولا يصح أن نقول إن للوسائل حكمًا بالتوقيف والتعبدية يختلف عن بقية ما حكمه التوقيف؛ كالصلاة والصيام والحج؛ إذْ لا بد من بيان الحدود والفواصل بين النوعين، وبيان الدليل على كل فرق؛ فإن وجدت هذه الحدود وإلا فالضابط باطل لا اعتبار له.
خامسًا: أن أظهر سمة لما تدخله البدعة أنه تعبدي لا يُعقل معناه على التفصيل، وأظهر سمة للعاديات هي معقولية المعنى؛ فما هو الأشبه بالوسائل؟ لا ريب أن الأشبه بحالها هو عقل المعنى لا التعبد؛ فعليه لا تدخل البدعةُ وسائل العبادات.
وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي في"الاعتصام"عن تبليغ الشريعة: ( .. والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة؛ لأنه من قبيل معقول المعنى؛ فيصح بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة، وكذلك لا يتقيد حفظه عن الزيغ والتحريف بكيفية دون أخرى) .