ثم تأيدت هذه الأدلة بالهدي الظاهر للسلف؛ فلم يظهر في ديار الإسلام بعد إيقاف الأعياد السابقة، وإبدالها بأعياد الإسلام أي عيد طيلة القرون الثلاثة المفضلة تعبدية كانت أو عادية؛ وذلك رغم أن للأمم المجاورة أو المخالطة للمسلمين أعيادًا تعبدية وعادية؛ يقصد منها الاحتفاء بزمان أو شخص؛ كعيد الشعانين ومولد عيسى عليه السلام للنصارى، والنيروز للمجوس وغيرها من الأعياد؛ لا سيما والأمة فِي هذه القرون كانت تأخذ الكثير من المفيد النافع من الأمم الأخرى؛ فتركها لهذه الأعياد رغم وجودها دليل على إعراضها عنها ديانة.
الأول: أن في أعياد الإسلام سمة التعبد المحض في اختيار زمانها، والزيادةُ على تعبدي محض بدعةٌ؛ كما تقرر آنفًا في تأصيل البدعة في صدر الورقة.
الثاني: أن في الأعياد المشهورة؛ كعيد المولد والعيد القومي ضربًا من التعبد المحض في اختيار الزمان دون معنى معقول، وفي هذا مضاهاة للمشروع. يوضح هذا أنه لا معنى عقليًا لاختيار الزمان ليكون وقتًا لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم أو الولي أو المناسبة القومية، وحب النبي والولي من أعظم القرب، وحب الوطن والعناية به ـ في حدود ما أقرته الشريعة ـ لا تثريب فيه، ولكن ما المعنى العقلي المفهوم من قصر الاحتفاء بما ذُكر في زمان دون آخر؛ بل إن المناسبة العقلية هي في اختيار غير الزمان الذي وقع فيه الحدث الذي يراد الاحتفاء به؛ لأنه وقت نسيانه، ولأن زمان حدوثه هو: وقت تذكره؛ فالصمود إلى الزمان المعين نوع تحكم وتصميم لم يُعهد إلا من الشريعة في اختيار الأزمنة والأمكنة؛ فههنا كانت المضاهاة، وتقدم في قاعدتها ما يدل على أن ما وقعت فيه المضاهاة فهو بدعة.