والسلام يدرك لا محالة أنّه سوف يترك هذه الحياة ويترك أعباء دعوة التوحيد على كاهل الصحابة , فلابدّ أن يكونوا على مستوى عالٍ من القيادة والطموح , ولابدّ أن يكونوا رجالًا في المواقف العظيمة التي سوف تمر بالأمة ,والرسول الكريم لم ينس ذلك فأوصى أصحابه وهو في مرضه الشديد:
فعن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي اللّهِ عنهما:، قَالَ رسول الله: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلاَثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ» ، قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتهَا )) أخرجه مسلم في صحيحه.
"وقال يعقوبُ بنُ محمدٍ: سألتُ المغيرةَ بنَ عبدِ الرحمنِ عن جزيرةِ العربِ فقال: مكةُ والمدينةُ واليمامةُ واليمن, وقال يعقوبُ: والعَرْجُ أولُ تِهامة" [1] .انتهى
"وبها أوطانهم ومنازلهم، لكن الذي يمنع المشركون من سكناه منها الحجاز خاصة وهو مكة والمدينة اليمامة ما والاها، لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب، هذا مذهب الجمهور، وعن الحنفية يجوز مطلقًا إلا المسجد، وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة، وقال الشافعي لا يدخلون الحرم أصلا إلّا بإذن الإمام لمصلحة المسلمين خاصة [2] .انتهى."
وورد أيضًا في صحيح مسلم الحديث الآتي الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لاَ أَدَعَ إِلاَّ مُسْلِمًا» .
فنلاحظ أنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو في مرض الموت - فديته بنفسي وبأبي وأمي- لا يألو جهدًا في رفع همم الصحابة و
(1) قتح الباري - كتاب الجهاد والسير لابن حجر العسقلاني رحمه الله.
(2) المصدر السابق.