قبل أن تمضي بي الطريق، وشت لي دون مواربة:
"إنني شائكة ووعرة ومتعرِّجة ما أمكن، إنني موقوتة البغتات ككلِّ الدروب المناوئة للعسف!!"
كذا شرع العمل السياسي المعارض، أشبه بالسير في حقل ألغام حين تكون بعض حقوقك الدستورية معلّقة إلى أجل يحدِّده أولياء حياتك.
إن"حرية التعبير"و"الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية"وسواهما، كلها حقوق نصَّ عليها الدستور السوري الدائم لعام 1973، وقد عُهد للمشّرع بسنِّ القوانين والتشريعات التي تكفل ممارسة هذه الحقوق. أما واقع الحال فإن مفهوم"الحرية حق مقدّس"كما صيغَ في متن الدستور ظلَّ خارج القاموس السياسي السائد ولم يرَ الحياة. ومع غياب قانون تشكيل الأحزاب وتنظيم الحياة السياسية، والحضور المطلق لقوانين الطوارئ والأحكام العرفية منذ عام 1963، كان يسيرًا جدًا أن يعتبر النظامُ قوى المعارضة بأسرها خارج القانون، أو خارجة على قوانين الاستثناء سارية المفعول. وبالتالي فقد تمَّ إطلاق العنان لقانون القوة، خصمًا وحكمًا في آن، واعتبرت كل هذه اِلأحزاب محظورة.
في ظل ظروف كهذه ولدت رابطة العمل الشيوعي (حزب العمل الشيوعي لاحقًا) ، بصفتها تنظيمًا سياسيًا معارضًا، واختارت العمل السري مكرهة، شأنها شأن جميع التنظيمات السياسية المعارضة، وكانت الجريدة السياسية وسيلتها الوحيدة في التعبيرعن مصالح الطبقات الشعبية وتطلعاتها نحو مجتمع يسود فيه القانون والعدالة. وقد رافقتها حملات القمع والملاحقة والاعتقال على نحو مستمر منذ نشوئها كرابطة ومن ثم كحزب، إلى أن شهدت أعوام التسعينات من القرن الماضي انتصار النظام بشكل ساحق على كل الأصوات الوطنية التي لم تندرج تحت مظلته.
في أوائل عام 1978 انتميت إلى رابطة العمل الشيوعي وكنت آنئذ موظفًا وطالبًا جامعيًا. وقد عملت في عدد من الهيئات الحزبية، وحين اعتقلت كنت عضوًا في اللجنة المركزية لحزب العمل الشيوعي.
في عام 1984 لوحقتُ من قبل الجهات الأمنية ولم تكن ابنتي قد بلغت الأشهر الخمسة من عمرها. وبقيت متواريًا لثلاث سنوات تقريبًا، كنت متفرِّغًا خلالها للعمل السياسي إلى أن جرى اعتقالي في مدينة حمص بتاريخ 14/ 4/1987 من قبل فرع فلسطين.
وهناك تعرّضت لشتى صنوف التعذيب النفسي والجسدي، واستمرّت هذه الحال نحو أحد عشر شهرًا في ظروف تحقيق بالغة السوء.