وبعد. . فهذه سطور من كتاب الحياة المعاصرة، عاشتها صاحبته ورفيقات سجنها ألما وعذابا، ومرارة وأهوالا يشيب لها الولدان. . إنها سطور كتبت بالدموع والدماء، والسياط والقهر والعذاب، تحكي قصة الظلم الطغيان فوق أرضنا وفي أوطاننا المسلوبة الإرادة، والتي عشعش فيها الظلم زمنا طويلا حتى باض وأفرخ وصار ظلمات فوق ظلمات!
ماذا يريد الظالمون؟ هل يريدون ملكا يتيهون فيه ويسرحون ويمرحون دون رقيب أو حسيب؟ فإذا كان لهم ذلك هل يبقى ويخلد أم يزول ويهلك وينتقل إلى غيرهم، فلو دام لأحد لما وصل إليهم. . أم يريدون مالا ينفقون منه على شهواتهم وملذاتهم، فهل أسعدهم المال حقا، وهل شفاهم من أمراض نفوسهم وجعل الطمأنينة في قلوبهم؟ أم يريدون أن يتخلى أصحاب المبادئ عن مبادئهم، وأصحاب العقائد عن عقائدهم، فهل تحقق لهم ذلك؟ أم أن أهل الإيمان ازدادوا تمسكا وصلابة، وعزيمة ومضاءا، وهم يعلمون أنه في سبيل الله ترخص الأرواح والأنفس والدماء (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) . إن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما، فما أقساه وما أشد مرارته، خصوصا عندما يتسمى الظالم بأسمائنا، ويأكل من أرضنا، ويشرب من مياهنا! ثم يكون أشد قسوة من أعدى الأعداء! لقد قاسيت وعانيت وعشت مرارة السجن والتعذيب في سجون الطاغية عبد الناصر، وهذا الكتاب هو صورة متكررة وقعت في سجون طاغية آخر، وما أكثر الطغاة في هذا العصر .. لكن الله يمهل ولا يهمل .. ولا أريد المزيد، فوقائع هذا الكتاب أبلغ من أي استزادة، والله غالب على أمره ..
زينب الغزالى
مقدمة
(وتلكم الايام نداولها بين الناس)
حياتنا حلقة ألوان متفاوتة. . تطبع أيام الإنسان بالبياض المشرق تارة. . وتصبغها بقتامة الظلام تارة أخرى .. وأنا أشرقت حياتي أبهى من الورد النضر، وتنسمت أيام طفولتي حنان الأبوين المحبين ودفء الأسرة الرضية فأورقت بالبر والرضا، وأزهرت بالسعادة والحبور. . وعشت في هذا الروض أثيرة أبي وسر أمي، وأميرة إخوتي السبعة وأخواتي الأربعه ونجيتهم. . فما كانت أحلامي الوردية تغفو إلا على وسادة الأمل. . ولم تكن تصحو إلا على راحات الرضا والأنس. لم أنتم إلى أي حزب من الأحزاب في يوم من الأيام. . وعلى الرغم من نشأتي الدينية وتعلقي بدروس الفقه