الصفحة 15 من 36

ألوهيته وما حصل من إلحاد في أوربا وغيرها إما ردة فعل للطغيان الكنسي أو تقليد أو هوى وتجدهم قليلين مذبذبين حائرين لا تكاد تجد أحدا منهم يجزم بمذهبه الإلحادي، فهذا أشهر الملاحدة في القرن التاسع عشر (كارل ماركس) يصفه أحد أتباعه (أوتورهل) (بأنه كان على الدوام متقلبا مبتئسا حقودا لا يزال في تصرفه عرضه لتأثير سوء الهضم والإنتاج وهياج الصفراء وكان موسوسا يغلوا كجميع الموسوسين في متاعه الجسدي) [1] و الإلحاد وهم مخالف للفطرة والعقل والعلم وإنكار الخالق-سبحانه- أعظم من إنكار عقول الناس لأن آثاره أكثر بكثير من آثار العقول.

والحاصل أن الكفار ما بين ملحد مكابر أو غير ملحد فيلزمه أن لا يعبد غير الخالق سبحانه وتعالى!!

والمقصود أن براهين ربوبيته وألوهيته من العقليات الواضحات، ومن أمور الفطرة، ودعوى الجهل فيها غير مقبولة البتة؛ لأن مثل هذه الأمور لا تجهل عادة، وحجة الملاحدة داحضة مخالفة لنواميس الحياة، وإنما تصدر عن عالم بها فيكابر كما قال تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) أو تصدر عن عالم بها فاجتالته الشياطين وصده الهوى فضل السبيل كما قال تعالى: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} ، ومن شذ وجهل بعد ذلك فنادر والنادر لا حكم له ومثل هذا كما قال الأول:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم

أما ما يجهل عادة مثله فهو معذور كما يعذر الإنسان بجهله بالفروع التي يمكن لمثله الجهل بها لخفائها والكلام عنه يطول.

وإذا تقرر وضوح التوحيد وظهور فساد الشرك بالله تعالى، علم أن المساواة بين ما ظهر فساده وبين ما ظهر صلاحه مساواة باطلة لا تقبلها العقول المستقيمة، ونظير هذا أنك لو أعطيت أولاد جارك شراب (اللبن) بعد أن سمح لك جارك بذلك، فليس هذا مبررا لجارك أن يأتي في اليوم التالي بقوارير من خمر ليعطيها أولادك ولو كان مقتنعا بنفع هذه القوارير ويرى حلها!!، وقد ضرب الله الأمثال في القرآن على فساد الشرك في غاية البيان فقال سبحانه: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} وهذا من أبين البراهين العقلية على فساد الشرك وعقيدة التثليث،

(1) السرطان الأحمر (26)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت