الصفحة 36 من 37

* فيا حسرةَ المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمنٍ بخسٍ وشهوةٍ عاجلةٍ, ذهبت لذَّتُها وبقيت تبعتها, وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها, فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة, وزالت النشوة وبقيت الحسرة, فوا رحمتاه لصَبٍّ جُمِعَ له بين الحسرتين: حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم, وحسرة ما يقاسيه من النَّصَبِ في العذاب الأليم, فهناك يعلم المخدوع أي بضاعة أضاع وأن من كان مالك رقه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع, فأي مصيبة أعظم من مصيبة مَلِكٌ أُنزِل عن سرير ملكه, وجعل لمن لا يصلح أن يكون مملوكه أسيرا, وجعل تحت أوامره ونواهيه مقهورا, فلو رأيت قلبه وهو في يد محبوبه لرأيته:

كعصفورة في كفِّ طفلٍ يسومها *** حياض الردى والطفل يلهو ويلعب

*ولو شاهدت حاله وعيشه لقلت:

ومافي الأرض أشقى من محب *** وإن وجد الهوى حلو المذاق

تراه باكيًا في كل حين *** مخافة فرقة أو لاشتياق

فيبكي إن نأوا شوقًا إِليهم *** ويبكي إِن دنوا حذر الفراق

*ولو شاهدت نومه وراحته لعلمت أن المحبة والمنام تعاهدا وتحالفا أن ليس يلتقيان, ولو شاهدت فيض مدامعه ولهيب النار في أحشائه لقلت:

سبحان رب العرش متقن صنعه *** ومؤلف الأضداد دون تعاند

قطر تولد عن لهيب في الحشا *** ماء ونار في محل واحد

*فهل يليق بالعاقل أن يبيع هذا المَلكَ المُطاع لمن يسومه سوء العذاب؟ , ويُوقع بينه وبين وليه ومولاه الحق الذي لاغنا له عنه ولا بد له منه أعظم الحجاب, فالمحب بمن أحبه قتيل, وهو له عبد خاضع ذليل. إن دعاهُ لباه, وإن قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه, لا يأنس ولا يسكُنُ إلى سواه. فحقيق به ألا يملك رِقهُ إلا لأجل حبيب, وألا يبيع نصيبه منه بأخسِ نصيب.

* هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين.

(مراجع استُفيد منها في إعداد الموضوع:

? فتياتنا والإعجاب ... نوال بنت عبد الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت