فإن الحب والوفاء والود والإخاء حقيقة وجدانية، بل أمرٌ فطري جبلت عليه النفوس البشرية لا بل هو من الإيمان إن كان خالصًا للرحمن، فالأخوة الحقَّة والمحبة الصادقة تولّد في النفس أصدق العواطف النبيلة وأخلص المشاعر الصادقة بلا تلفيق اعتذارات ولا تنميق عبارات بل صدقٌ في الحديث والمعاملة والنصح، يمسك الأخ بيد أخيه في رفق وحُنوٍ وشفقة، بِرٌ وصلة ووفاء، إيثار وعون في الشدة والرخاء فلا ينساه من الدعاء وكل ذلك دون تكلف أو شعور بالمشقة والعناء بل في أريحية وحسن أداء وطلب الأجر من رب الأرض والسماء، أَيدٍ تتصافح وقلوبٌ تتآلف، أرواحٌ تتفادى ورؤوسٌ تتعانق وحقيقة الأخوة في الله لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء قال - صلى الله عليه وسلم:"ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان _ وذكر منهن _ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله"، (رواه البخاري) والإنسان بلا ذلك كله جلمود صخر لا يستطيع الحياة مع الناس ومخالطتهم ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم. والناس فيه - أي الحب - بين إفراط وتفريط واعتدال. فحقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء كما قال يحيى بن معاذ رحمه الله، والحب في الله من المفاهيم المركزية التي قام عليها الإسلام منذ مرحلة تأسيسه فصبغ كل تعاليمه وتوّجها بعاطفة الحب التي هي المحرك الفاعل فيها. بل إن الحب في الله لونٌ من ألوان العبادة المأمور بها شرعًا في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
[أن المحبة في الله سبب لمحبة الله للعبد، أن الله يظل المتحابين فيه في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أن الحب في الله والبغض في الله دليل على كمال إيمان العبد، أن الحب في الله سببٌ لذوق حلاوة الإيمان وطعمه، أن المرء بمحبته لأهل الخير يلتحق بهم، أن الله يكرم من أحب عبدًا لله، أن المتحابين في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء] .