وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فليس كمحبته وإجلاله وخوفه محبة وإجلال ومخافة, فالمخلوق كلما خفته استوحشت منه وهربت منه, والله سبحانه كلما خفته أنست به وفررت إليه, والمخلوق يخاف ظلمه وعدوانه, والرب سبحانه إنما يخاف عدله وقسطه, وكذلك المحبة فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبال عليه, وتلك لَعمرُ الله الفتنة الكبرى والبلية العظمى التي استعبدت النفوس لغير خلاقها, وملكت القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها, وألقت الحرب بين العشق والتوحيد, ودعت إلى موالاة كل شيطانٍ مريدٍ, فصيرت القلب للهوى أسيرًا, وجعلته عليه حاكمًا وأميرًا؛ فأوسعت القلوب محنة وملأتها فتنة, وحالت بينها وبين رشدها, وصرفتها عن طريق قصدها, ونادت عليها في سوق الرقيق فباعتها بأبخس الأثمان, وأعاضتها بأخس الحظوظ وأدنى المطالب عن العالي من غرف الجنان فضلا عما هو فوق ذلك من القرب من الرحمن, فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألمها به أضعاف لذتها, ونيله والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها. فما أوشكه حبيبًا يستحيل عدوًا عن قريب, ويتبرأ منه محبه لو أمكنه حتى كأن لم يكن بحبيب, وإن تمتع به في هذه الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين لاسيما إذا صار:"الأخلاءُ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌ إلا المتقين".