والمقصد أن علماء الأمة المجاهدين، والذين يأسون للواقع، فيدفعهم للعمل والمسارعة, محسودون على هذه السيرة النبوية الصافية، والتي رسمت المنهج، وتشبعت بمنائر الطريق، وبصائر المرحلة، فكان فيها العلم المتين، والفهم الصائب، والدعوة المشفقة، والعزيمة الوقادة، والفقه الواعي، والعمل المنظم، وكل صفة تحتاجها الشخصية المؤمنة، العاملة لهذا الدين القويم.
لقد كان السلف الصالح يتعلمون هذه السيرة الزكية كما يتعلمون السورة من القرآن, ويعتبرونها الإرث الأبوي المخلد، والذخيرة الحميمية الغالية، حتى انتفعوا بها في حياتهم، واقتفاها علماؤهم وفقهاؤهم في نهجهم الدعوي, وعملهم الإصلاحي والتربوي. فأين حفاظ الأسانيد، ومهرة التفاسير, ومنظرو العقيدة، وعباقرة الفتاوى عن هذا التراث النبوي؟!"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [الأحزاب: 21] ، إن وعي العالم النبيه لهذه السيرة, وتصوره لمجرياتها, طريق لفهم عصره واستيعابه لأحداثه الضخام، وتقلباته الخطرة، إذ هي التطبيق العملي للإسلام والمشهد الكاشف لقصة الصراع بين الحق والباطل، والملحمة الكبرى بين الإسلام وخصومه.
لكني أعود إلى أصل الكلام، وهو الدور الثالث عشر الذي وصفناه بـ (دفع السوء والمظالم) وهو مما يُستطاع لدى العلماء، إذا تسلحوا بمتين الإيمان، وغزير العلم وثقافة المرحلة، لكن من الضروري تهيئة المقدمات التالية: