الصفحة 9 من 24

••النصح: لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"الدين النصيحة" [1] [12] . وبالنصح تجاوز الإسلام ما وصلت إليه الأمم في أدبياتها المحاسبية، لأن النصيحة تعني تجاوز حد الإفصاح الذي يقصد به عدم إخفاء بيانات قد تؤدي بالطرف الآخر إلى اتخاذ قرارات خاطئة. فالمسلم مأمور بإبداء النصح، وفي هذا دعم للسلوك الفردي من خلال إبداء رأيه على شكل اقتراحات وهذه درجة أعلى في سلم الصدق والإفصاح.

••البرّ: قسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التجار إلى صنفين إثنين إما فاجر وإما تقيّ برّ، فقال:"إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبرّ وصدق" [2] [13] ، والبرّ درجة إيمانية أعلى يوصف بها المحسن في عمله.

••الاعتدال في الربح: كان عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - يتجول في أسواق الكوفة ويقول:"معاشر التجار خذوا الحق تَسلموا، ولا تردّوا قليل الربح فتحرموا كثيره". وهذه دعوة لزيادة معدلات دوران رأس المال بعدم المغالاة في رفع الأسعار خاصة إن كان المال المتجر به كثيرًا. كما يقول ابن خلدون:"وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير إلا أن المال إذا كان كثيرًا عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير" [3] [14] 0

••المسامحة: وهي مفهوم يتسامى بالإنسان إلى درجة أخلاقية وروحية عالية. فالمسامحة نوع من أنواع الكرم مطلوب من البائع والشاري وقاضي الدين. ولقد خاطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البائع قائلًا:"زن وأرجح" [4] [15] . وأمر قاضي الدين بالإحسان في أدائه فقال:"خيركم أحسنكم قضاء" [5] [16] . كل ذلك دون شرط مسبق حتى لا يتحول الإحسان إلى ربا. وقد يكون الإحسان على شكل مكافأة مالية أو كلمة شكر أو دعاء أو هدية. ولا يخفى على أحد ما لهذا التصرف من أثر اجتماعي حسن بعيد المدى، فهو يشجع الناس على مساعدة بعضهم البعض، إضافة إلى أثرها في تقليص الغش والغبن والاحتيال إلى الحد الأدنى. أما إعسار الطرف المدين عن السداد فقد حث الله - عز وجل - الدائن على الانتظار بقوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة:282] ويبين أن التصدق على المعسر بالدين المعدوم أو المشكوك فيه أفضل في الثواب وأوقع في النفس. وقد شمل هذا كله حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى سمحًا إذا اقتضى" [6] [17] .

سابعًا - القائمون على السوق [7] [18] : وهم الذين فوضهم ولي الأمر بالإشراف على الأسواق لتأمين العمل بشكل منتظمٍ، سواء سمي المحتسب كما ورد في الفقه الإسلامي أو وزارة التموين أو وزارة الاقتصاد أو المصرف المركزي أو البورصة أو صندوق الاستثمار أو اللجان المحاسبية الدولية أو غيرها. فحينما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة فإن أول ما أمر به هو بناء المسجد ثم سأل عن السوق

(1) 12 [صحيح مسلم: 82]

(2) 13 [سنن ابن ماجة: 2137]

(3) 14 ابن خلدون، مرجع سابق، ص 395.

(4) 15 [سنن النسائي: 4515]

(5) 16 [صحيح البخاري: 2215]

(6) 17 [سنن ابن ماجة: 2194]

(7) 18 اشترط البنك الدولي في تقريره عن التنمية في العالم لعام 2002 تحت عنوان"بناء المؤسسات من أجل الأسواق"أن المؤسسات القائمة على السوق حتى تكون قادرة على تحقيق النمو وتحسين حياة الناس فإنها مطالبة بتحقيق أربعة شروط: (1) مكافحة الفساد

(2) التجديد في تصميم السياسات والمؤسسات (3) الاتصال بين المجتمعات الفاعلة في السوق من خلال تدفق المعلومات والتجارة المفتوحة (4) تعزيز المنافسة بين الشركات والأفراد.

وحسبما ذكرنا فقد شمل الفقه الإسلامي وحقق على أرض الواقع أكثر من هذه الشروط فمداخلات عمر بن الخطاب وابن تيمية أوضحت سبل المراقبة المستمرة وتوقع المستقبل والقيام بالتجديد اللازم وكذا محاربة الفساد والإفساد بكل أشكاله كما أن المنافسة مشروطة بمصلحة الجماعة وقد ضمن الفقه الإسلامي حرية انتقال السلع والأشخاص والأموال ومنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تفرض الرسوم والضرائب على الأسواق، كما اشترط الشرع الإسلامي النصح والإفصاح في البيع والشراء بما يضمن تبادل المعلومات بين جميع أطراف السوق بغض النظر عن كونه مسلمًا أو غير مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت