لقد بيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلاقة بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين الدولة الإسلامية بقوله:"المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار" [1] [1] . ونهى عن الاحتكار والغش والبيوع التي تؤدي إلى المنازعات بين الناس. وأُسندت مراقبة ذلك إلى محتسب السوق، وطُلب منه التدخل لتطبيق شرع الله وتحقيق مصلحة الناس وحاجاتهم إذا لزم الأمر فهي دولة تحقق الحرية الاقتصادية للناس وتضبط مصالحهم سواء كانوا جماعات أو أفرادًا. وهي تتدخل عند الحاجة لمنع الاحتكار والظلم وفض النزاعات بين الأطراف جميعا ًوتؤمن تدفق المعلومات الصحيحة دون أي تسلط فردي أو جماعي ضمانًا لحرية الأسواق وتأمين الرضا لروادها دون مخالفة الثوابت الشرعية.
والسوق بوصفه المكان الذي تمارس فيه عمليات البيع والشراء وتبادل السلع، وفيه يهدف الناس إلى تحقيق الربح كل حسب موقعه البائع والشاري، كذلك فإن الوقت يلعب دوره لأن تلك العمليات قد لا تتم في الحال، وقد تحدث خلال ذلك تقلبات في الأسعار يمكن أن تؤدي إلى خلافات ومنازعات.
وعليه فإن البحث يهدف إلى بيان دور السوق ومحدداته في الفقه الإسلامي من خلال ما نصت عليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة واستنباطات الفقهاء خلال أربعة عشر قرنًا خلت لعلنا نستفيد من تجارب أسلافنا وطرق تعاملهم.
إن السوق هو المكان الذي تساق إليه السلع وما شابهها حيث يجتمع البائعون والمبتاعون (المشترون) فيه، فيتبادلون السلع بالسلع أو السلع بالنقود، عاجلًا أو آجلًا بأشكال ووسائل دفع حسب ما يقتضيه الحال. وللسوق محتسب له مهام بيّنها ابن تيمية بقوله:"ومهمة المحتسب مشارفة السوق والنظر في مكاييله وموازينه وتحديد الأسعار ومنع الاحتكار ومنع الغش والتدليس فيما يباع ويشترى من مأكول ومصنوع ورفع الضرر عن الطريق بدفع الحرج عن السابلة من الغادين والرائحين إلى نحو ذلك من الوظائف" [2] [2] .
ولقد علل الغزالي ظهور الأسواق والمخازن [3] [3] بسبب حاجة الناس لما عند بعضهم البعض ولتبادل الخدمات فيما بينهم. واعتبر أن شدة الحاجة عند الأطراف المتبادلة هي التي تحدد عوامل العرض والطلب وبالتالي تحدد سعر التبادل بينهم. وأوضح أنه عند انخفاض الحاجة (الطلب) يقومون بنقل سلعهم إلى أماكن أخرى أكثر طلبًا، وبذلك هم بحاجة إلى من ينقل هذه السلع حيث لا تتوافر وسائل النقل اللازمة للجميع فيكون هذا سببًا لنشوء مهنة أخرى رديفة لأعمال التسوق، وقد سمّاهم بالتجار المتكفلون بالنقل، وسمى العلاقة بينهم بعقد الإجارة. ويحتاج المتبادلون إلى حكم عدل يتوسط بين
(1) 1 [سنن أبي داوود:3016]
(2) 2 ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، ص 30 ج 1
(3) 3 الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 3، ص 396.