فدلّوه على سوق لليهود فأمر بإشادة سوق خاصة بالمسلمين. فكان المسجد والسوق أول ما بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول دولة إسلامية وفي هذا دلالة واضحة على الاستقلالية الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين. ثم قال - صلى الله عليه وسلم -"هذا سوقكم فلا يُنتقص و لا يُضربن عليه خَراج" [1] [19] مما يدلّ على أن هناك شروطًا يجب توافرها في السوق أولها: عدم إكراه من فيه على شيء مما سنذكره فيما بعد، وثانيهما: عدم فرض الضرائب عليه. لكن السوق بالرغم من كل ذلك يبقى مرتعًا خصبًا لأصحاب النفوس الضعيفة التي لا تقيم وزنًا لمفاهيم الخير ولا للقيم السامية فيغتنمون الفرص للقيام بالغش والتدليس والتلاعب. لذلك ضبط الإسلام أشكال البيوع، وحدد معالم الضعف فيها ووصف لها العلاج المناسب ولفظ الخبيث منها وذلك للمحافظة على سوق سليمة معافاة لا تتأثر بالأزمات الضارة بالحياة الاقتصادية العامة. فأحدث وظيفة المحتسب لمراقبة السوق وأحواله ومنع الغش في البيوع ومحاولات التأثير على الأسعار كتلقي الركبان والنجش ومنع البيوع المحرمة كالربا والغرر. ويُذكر أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شاهد في إحدى جولاته جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وبيده درهم"فقال له: ما هذا؟ فقال: أريد أن أشتري به لأهلي لحما قرموا إليه (أي اشتهوه) . فقال عمر: أو كلما اشتهيتم اشتريتم! ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره! أين تذهب عنكم هذه الآية {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف:20] " [2] [20] . ويلاحظ أن عمر - رضي الله عنه - قصد مراقبة السوق وضبط الطلب بغية المحافظة على الأسعار، وكأنه سعى إلى كبح جماح الغلاء وترشيد الإنفاق. وإنما ذكر الآية الكريمة للتحكم بسلوك الفرد المسلم لأنه ملتزم بشرعه مراعيًا للجماعة. وفيه أيضا محاربة للجشع والاستهلاك الإسرافي كونه ربط الشراء بالشهوة. وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم حيث نهى عن الإسراف والتقتير ودعا للقوام بينهما بقول الله عز وجل {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان:67] .
إذن من أهم مهام محتسب السوق:
? تأمين الرضا والحرية لرواد السوق، لقوله - صلى الله عليه وسلم -"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" [3] [21] .
? مراقبة الإفصاح والبيان في البيع، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فإن صدقا وبيّنا.
? التدخل في حال الترويج بالدعاية الكاذبة أي بصفات ليست موجودة أصلًا في السلعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، قال أبو ذر - رضي الله عنه - خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" [4] [22] .
(1) 19 [سنن ابن ماجة: 2224]
(2) 20 رواه الحاكم.
(3) 21 [صحيح البخاري: 1937]
(4) 22 [صحيح مسلم: 154]