الصفحة 15 من 24

وأجاز ابن تيمية التسعير في حالات محددة:"كالأزمات والمجاعات والاضطرار إلى طعام الغير والاحتكار والحصر وحالة التواطؤ بين البائعين أو بين المشترين" [1] [43] ، ولعل عليًا بن أبي طالب - رضي الله عنه - قد وضع حدودا للسعر في كتابه إلى واليه على مصر الأشتر النخعي بقوله:"ليكن البيع بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع". ووصف ابن تيمية عملية التسعير بأنها صيانة لحقوق المسلمين فقال:"إن مصلحة الناس إذا لم تتم إلاّ بالتسعير سّعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وتمت مصلحتهم بدونه لم يفعل [2] [44] . فمثلًا إذا احتاج الناس لصناعة ما كالفلاحة أو الخياطة أو ما شابه ذلك فإن لولي الأمر (المحتسب) أن يجبر أهل هذه الصناعات على ما يحتاج إليه الناس من صناعتهم، ويقدر لهم أجرة المثل ولا يحق للصانع المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل وهذا من التسعير الواجب."

كما لا يحق لأحد أن يبيع بسعر أخفض أو أعلى من الأسعار المتوسطة السائدة في السوق حتى لا يفسد على الآخرين، فقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال لحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. وسواء باع بخمسة والناس يبيعون بثمانية أو باع بثمانية والناس يبيعون بخمسة فإن ذلك ممنوع لأنه يفسد على أهل السوق وربما أدى ذلك للشغب والخصومة [3] [45] . ومن الفقهاء من رأى بأن لا يُجبَر الناس على البيع إنما يُمنعون من البيع بغير السعر الذي يحدده ولي الأمر على حسب ما يرى فيه من مصلحة البائع والمشتري على حد سواء، ولا يمنع البائع ربحًا، ولا يسوغ منه ما يضر بالناس.

تقاطع الاحتكار مع التسعير: أوضح ابن تيمية كيفية تقاطع الاحتكار مع التسعير بقوله:"إذا امتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلاّ بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلاّ إلزامها بقيمة المثل فيجب أن يلتزموها بما ألزمهم الله به" [4] [46] . أما آلية تحقيق ذلك، فيقول ابن تيمية"ينبغي على الإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يُجبرون على التسعير" [5] [47] . والرضى عامل مهمّ في زرع الثقة والطمأنينة بين روّاد السوق حيث يؤدي ذلك إلى الازدهار ونمو التبادل واستقرار الأسعار وبالتالي انتعاش الحركة التجارية. أما العكس أي إكراه البائعين على البيع بسعر معين دون النظر إلى التكاليف فإنه يؤدي إلى"فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس" [6] [48] . وتلجأ البورصات حاليا إلى ما يشبه ذلك لتحديد أسعار الصرف."أما أسعار الصرف الخاصة بالعملات الأجنبية فيتم تحديدها يوميًا من قبل الوسطاء المقبولين أو المعتمدين من قبل البورصة المعنية أي المصارف بما فيها المصرف المركزي" [7] [49] . وقد سبق ابن تيمية في آرائه ما يطبق اليوم في البورصات العالمية ب 700 عام تقريبًا، حيث أنه أوجب على ولي الأمر جمع وجهاء السوق واستخراج آرائهم للوصول إلى ما يرضي جميع الأطراف. يقابله في البورصات

(1) 43 ابن تيمية، مجموع الفتاوى، الصفحات 28 - 77.

(2) 44 القرضاوي، د. يوسف، الاقتصاد الإسلامي، دار الرسالة، 1996 طبعة 1. ص 458.

(3) 45 ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، مرجع سابق ص 39.

(4) 46 ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، مرجع سابق ص 23.

(5) 47 ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، مرجع سابق ص 40.

(6) 48 ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، مرجع سابق ص 41.

(7) 49 لطفي، مرجع سابق، ص 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت