اليوم آراء الوسطاء المعتمدين والمقبولين. كذلك فإن قرار ولي الأمر عند ابن تيمية يقابله رأي المصارف صاحبة العلاقة. بل زاد ابن تيمية عند تحديده للسعر بالمنازلة أي المساومة دون الإكراه. ولقد تنبه ابن تيمية إلى التكتلات من نقابات وكارتل وتروست ودورها في التلاعب بالأسعار، كما أشار إلى تسعير الأعمال والأجور فقال:"ولا ُيمكَّن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم فهذا تسعير الأعمال" [1] [50] . ولقد حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التلاعب بالأسعار بقوله"من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله تبارك وتعالى أن يُقعده بِعظْم من النار يوم القيامة" [2] [51] .
وأخيرا لابد من الإشارة إلى دور المعايير المحاسبية في تنظيم الأسواق وذلك بنشرها بيانات ومعلومات تفيد في ضبط وتحريك الأسعار وتساعد في معرفة ووصف الوضع الذي تمارس به المنشأة أعمالها، ومدى التوقعات التي من الممكن الوصول إليها. فالأرباح الموزعة هي من المؤشرات الهامة في تحديد سعر السهم، كما أن معدلات التشغيل ومعدلات الأجور تساعد في تحديد المستوى العام للأجور، ومن المؤكد بأن بيع السلع والخدمات يتأثر بالمعلومات التي تنشرها هذه القوائم.
أثر الأسعار على حالة الأسواق: أشار ابن خلدون إلى سلسلة العمليات والإجراءات المتتالية التي تؤدي إلى فساد حالة السوق بفساد التسعير فيها، واستفحال ذلك كلما طال الأمد حتى يؤثر ذلك في جميع نواحي الحياة. فقال [3] [52] :"فإذا كان الرخص في أسعار السلع والعرَض من مأكول أو ملبوس أو متموَّل فسد الربح والنماء بطول تلك المدة، وكسدت سوق ذلك الصنف، فقعد التجار عن السعي فيها، وفسدت رؤوس أموالهم واعتبر ذلك أولًا بالزرع، فإنه إذا اُستديم رخصه يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح والزراعة لقلة الربح فيه وندرته أو فقده، فيفقدون النماء في أموالهم أو يجدونه على قلة، ويعودون بالإنفاق على رؤوس أموالهم وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضا بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولًا. وكذا يفسد حال الجند إذا كانت أرزاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعًا، فإنها تقل جبايتهم من ذلك ويعجزون عن إقامة الجندية التي هي بسببها ومطالبون بها ومنقطعون لها فتفسد أحوالهم. وكذا إذا استديم الرخص في السكر أو العسل فسد جميع ما يتعلق به وقعد المحترفون عن التجارة فيه وكذا الملبوسات إذا استديم فيها الرخص".
إذن الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بالأصناف الرخيصة وكذلك الغلاء المفرط. وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك وسرعة حوالة الأسواق.
(1) 50 ابن تيمية، الحسبة في الإسلام، مرجع سابق ص 32.
(2) 51 [مسند أحمد: 19426]
(3) 52 ابن خلدون، مرجع سابق، ص 398.