بل قد جاء النهي صريحا للمؤمنين بأن يمنعوا الكفار من القرب منها فضلا عن دخولها , والتردد في عرصاتها، وعلل الباري جل ثناؤه ذلك بما يلي:
الأول: أنهم كفار , والكفر في حد ذاته موجب للحرمان من عمارة المساجد، سواء كانت عمارة حسية أو معنوية؛ قال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} [1] ؛ لأنها مساجد الله , فلا حق لغير الله فيها.
الثاني: أن هذه المواطن والمقدسات والحرمات أقيمت لعبادة الله وحده، وأقام إبراهيم الخليل عليه السلام أول مسجد ـ وهو الكعبة ـ عنوانا على التوحيد، وإعلانا به، كما قال تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} [2] ، فلا حق لغير المسلم بالاقتراب منها أو المرور فيها فضلا عن أن يتعبد فيها.
الثالث: أنهم يشهدون على أنفسهم بالكفر [3] في حالهم ومقالهم، فكيف مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر يطمعون بالقرب من المقدسات،
(1) سورة التوبة / الآية 17.
(2) سورة آل عمران / الآية 96.
(3) ذكر العلماء في تفسير هذه الشهادة وجوها منها:
1 ـ أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان , وتكذيب القرآن , وإنكار نبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكل ذلك كفر، ومن شهد على نفسه بذلك فقد شهد عليها بالكفر. ...
2 ـ أن اليهودي إذا قيل له: من أنت؟ قال: يهودي، وكذا النصراني إذا قيل له: من أنت؟ قال نصراني، والوثني إذا قيل له: من أنت؟ قال: وثني.
3 ـ أن الغلاة منهم كانوا يقولون: كفرنا بدين محمد وبالقرآن.
4 ـ أنهم كانوا يطوفون بالبيت: وهم عراة، وكلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام , فهذا شهادة منهم على أنفسهم بالشرك.
5 ـ أنهم كانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.
6 ـ شهادتهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكفر , ورميه بالسحر, ووصفه بالجنون. انظر التفسير الكبير للرازي 16/ 9، وجامع البيان 11/ 375، وتفسير القرآن العظيم 2/ 340.