الصفحة 37 من 53

العلمية والتاريخية ما لم تسبق إليها البشرية من قبل، كما أن فيها كل فنون الأدب والبلاغة، وأخبار الأمم السابقة والغيبيات اللاحقة وغيرها من المعارف.

ولكن الله تعالى لم يجعل الغاية من هذه المصادر هو هذه المعارف جميعها، وإنما حصر الغاية في ناحتي العقيدة والتشريع للتعبد، وأما العلوم الأخرى فجاءت على سبيل ضرب الأمثال وأخذ العبر والدروس منها، أو الاستفادة من سنن الله تعالى في كونه وفي عباده الغابرين.

وبهذا المعنى فإن القرآن الكريم ليس كتاب رياضيات وهندسة، وليس موسوعة جغرافية ولا كتاب شعر، ولا رواية تروي لنا قصص الأمم القديمة، وإنما هو كتاب عقيدة يعلم الإنسان التصور الصحيح عن الحياة والكون، وهو كتاب يضم قوانين وتشريعات تسير عليها البشرية لتسعد بها في حياتها وتدير من خلالها شؤونها وتنظم أحوالها.

هذا لا يعني أن هذه المصادر قد أهملت العلوم الأخرى، بل على العكس من ذلك فإن من أولى الآيات التي نزلت من كتاب الله تعالى كانت في الحث على التعلم والقراءة في قوله تعالى: (( اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَا وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ) [العلق:5] [1] .

ليس هذا فحسب، بل رفع الله تعالى من شأن العلماء وفضلهم على غيرهم بدرجات، وهم العلماء في الشريعة بالدرجة الأولى، ثم يليهم من تعلم علوم الكفايات الأخرى كعلم الفضاء أو الهندسة أو الطب، فإنهم مقربون من الله تعالى ما داموا قائمين على أوامره وأداء فرائضه، غير مخلين بشرعه. يقول جل ثناؤه في الثناء على أهل العلم به: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ) [2] . وقوله أيضًا: (( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ) [3] . وقوله عز شأنه: (( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) ) [4] .

ويقول عليه الصلاة والسلام: «وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر» [5] .

(1) سورة العلق، الآيات 1 - 5.

(2) سورة فاطر، الآية 28.

(3) سورة الزمر، الآية 9.

(4) سورة المجادلة، الآية 11.

(5) جامع الترمذي، برقم2682، ص608 - 609. وكذا رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت