القواعد الفقهية من أعظم الإبداعات العقلية، وهي (صيغ إجمالية عامة من قانون الشريعة الإسلامية، ومن جوامع الكلم المعبر عن الفكر الفقهي، استخرجها الفقهاء في مدى متطاول من دلائل النصوص الشرعية، وصاغوها بعبارات موجزة جزلة، وجرت مجرى الأمثال في شهرتها ودلالاتها في عالم الفقه الإسلامي، بل في عالم القانون الوضعي أيضًا، فكثير منها يعبر عن مبادئ حقوقية معتبرة ومقررة لدى القانونيين أنفسهم؛ لأنها ثمرات فكر عدلي وعقلي، ذات قيم ثابتة في ميزان التشريع والتعامل والحقوق والقضاء) [1] .
وهي جليلة وكثيرة لها من فروع الأحكام ما لا يحصى، وهذه القواعد لم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وقد يشار إليها هناك على سبيل الإجمال.
وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، وتتضح له مناهج الفتوى.
ومن أخذ بالفروع الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه واضطربت، واحتاج إلى حفظ جزئيات لا تتناهى، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، وتناسب عنده ما تضارب عند غيره [2] .
وقد اجتهد العلماء الأقدمون في وضعها وصياغتها عبر تاريخ الفقه الإسلامي المجيد، بدءًا من عصر النبي صلى الله عليه وسلم، مرورًا بعصر الصحابة والتابعين والفقهاء الذين انكبوا طوال عصور التاريخ الإسلامي على بلورتها وصياغتها في بطون الكتب؛ لضبط الفقه الإسلامي وتأصيله، فاستخدموها عند التعليل والترجيح للحفظ والمساعدة على فهم مقاصد الشريعة التي تحولت إلى منارات هدى تتسم بقوانين وقواعد حيث المرونة والسعة والتكيف مع كل جديد، وهي المميزات التي جعلت هذه الشريعة قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، تواجه التطور البشري وتتصدى لحوادث لا معد لها.
(1) أحمد الزرقا شرح القواعد الفقهية، الصفحة (19) .
(2) القرافي الفروق، المقدمة.