فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 89

المبحث الثالث

تقسيم القواعد الفقهية [1]

المطلب الأول

من حيت الشمولية.

تضم القواعد الفقهية ثلاثة أنواع من القواعد وهي:

وهي التي تضم ما لا حصر له من الفروع، ويقصد بها القواعد الكلية الكبرى الخمس المعمول بها في كل المذاهب والمرتبطة ارتباطا وثيقًا بتجديد الفقه الإسلامي، حيث لا يصح للمجتهد أو المجدد إغفالها، إضافة إلى إلمامه بعلم أصول الفقه [2] ، وهذه القواعد بمثابة أركان الفقه الإسلامي، وهي

1 -قاعدة"اليقين لا يزول بالشك" [3] .

2 -قاعدة"المشقة تجلب التيسير" [4] .

3 -قاعدة"الضرر يزال" [5] .

4 -قاعدة"العادة محكمة" [6] .

5 -قاعدة"الأمور بمقاصدها" [7] .

وقد رد بعض الشافعية كالقاضي حسين [8] جميع مذهب الشافعي إلى القواعد الأربع الأولى فقط، وزاد بعض فقهاء الشافعية القاعدة الخامسة [9] ، وتسمى هذه القواعد"القواعد الأساسية الخمس"ومستثنياتها قليلة جدًا. وقد نظمها أحد فقهاء الشافعية في بعض الأبيات وهي:

(1) انظر -لمزيد هن التفاصيل- الباحسين، القواعد الفقهية الصفحة (118) ، والقواعد الفقهية لعلي الندوي الصفحة (351) .

(2) راجع مجلة المسلم المعاصر العدد (110) العام (2003) الصفحة (55) مقال تحت عنوان"تجديد الفقه الإسلامي، طرائقه وضوابطه"للدكتور محمد عبد الرحمن المرعشلي.

(3) وهي أصل شرعي عظيم، عليها مدار كثير من الأحكام الفقهية، ويتمثل فيها مظهر من مظاهر اليسر في الشريعة الإسلامية، وهي تهدف إلى رفع الحرج؛ خصوصًا في باب الطهارة والصلاة أمام داء الوسواس العضال، ودليلها: الحديث المتفق عليه، الذي سبق تخريجه عند البخاري في الصحيح، الحديث رقم (137) عن عباد بن تميم عن عمه:"أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال:"لا ينفتل- أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". قال النووي في المنهاج: الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتى تكون خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، وعند مسلم في الصحيح (1/ 276) ، (3) كتاب الحيض، (36) - باب الدليل، الحديث (99) "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". وللدكتور يعقوب عبد الوهاب الباحسين كتاب قاعدة اليقين لا بزوال بالشك، طبع في مجلد واحد في طبعته الأولى، عام 2000 م، في مكتبة الرشد- الرياض."

(4) وهي -أيضًا- أصل عظيم من أصول الشرع، ومعظم الرخص منبثقة عنه، كالتيمم عند فقدان الماء، والجمع، والقصر للصلاة في السفر، وغيرها .. بل هي من الدعائم والأسس التي يقوم عليها صرح الفقه الإسلامي، فهي قاعدة فقهية وأصولية عامة، وأصلها آيات كثيرة منها قوله تعالى (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة/185) ، وقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري (1/ 93) ، (2) كتاب الإيمان، (29) باب الدين يسر، الحديث رقم (39) ،"إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوها وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة من الدلجة". ولعدنان محمد إمامة رسالة ماجستير تحت عنوان الإحكام والتقرير لقاعدة المشقة تجلب التيسير، نوقشت في كلية الإمام الأوزاعي- بيروت بإشراف د/كامل موسى، عام 1997 م.

(5) التي أصلها الحديث الشريف"لا ضرر ولا ضرار"الذي رواه ابن ماجه في السنن (2/ 784) ، (13) - كتاب الأحكام، (17) - باب من بنى في حقه ما يضر بجَارِه، الحديث رقم (2340) وفي الزوائد: إنه منقطع، والحديث (2341) قال في الزوائد: في إسناده جابر الجعفي، المتهم. والحديث رواه أحمد في المسند (1/ 313) ، والبيهقي في السنن (6/ 69، 70، 457) والحاكم في المستدرك (2/ 58) وانظر نصب الراية للزيلعي (4/ 384، 386) والمجلة العدلية م/76، 85، 19، ولا ضرر: أي لا يضر الرجل أخاه، فينقصه شيئًا من حقه، والضرار: أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، كذا عند ابن الأثير في النهاية (2/ 77) ، وفي السنن لأبي داود أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يقبل منه بدلها، أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض بقلعها، وقال لصاحب الشجرة:"إنما أنت مضار"انظر العظيم آبادي عون المعبود شرح سنن أبي داوود (10/ 46) الحديث (3631) ، وللدكتور عبد الله الهلالي كتاب (قاعدة لا ضرر ولا ضرار) طبع في دبي- دار البحوث الإسلامية وإحياء التراث في مجلد واحد عام 2005 م.

(6) وأصلها من القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء/19) قال القرطبي في الجامع (7/ 346) ."العرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس"ولا شك أن هذا يتغير بتغير البلدان والظروف والأحوال. ومثله قوله تعالى في كفارة الأيمان (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ) (المائدة/89) فهذا الأوسط يقرر لنا الضابط في تحديد مقدار الطعام وتوفير الكسوة التي لا يوجد نص شرعي بمقدار معلوم لها فينظر إلى الأعراف (العادات الجماعية) وقوله صلى الله عليه وسلم لهند -وقد شكت للرسول صلى الله عليه وسلم شحّ زوجها أبي سفيان-:"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"كما رواه البخاري في الصحيح، (34) - كتاب البيوع، (95) - باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم، الحديث رقم (2211) . قال العز في قواعد الأحكام (1/ 61) "والغالب في كل ما رد في الشرع إلى المعروف أنه غير مقدر وأنه يرجع فيه إلى ما عرف في الشرع أو إلى ما يتعارفه الناس". ومن الأمور التي يحتكم فيها إلى العرف: مدة الحيض، والمهر (المقدم والمؤخر) عند عقد النكاح، والحرز في السرقة عند الشافعي، وبيع المعاطاة (أي البيع بالتراضي دون اللفّظ به) واسْتِضاع الصنّاع دون شرط الأجرة. وللدكتور يعقوب الباحسين كتاب قاعدة العادة محكمة: دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية. طبع بمكتبة الرشد-الرياض في مجلد واحد، ط 1، عام 1423 هـ/2002 م.

(7) أصلها قوله صلى الله عليه وسلم"إنما الأعمال بالنيات ..."رواه الستة، وسبق تخريجه، وبوب البخاري باب"ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام"، حتى درج الفقهاء والمحدثون على استهلال كتبهم بهذا الحديث، وقال بعضهم"ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب"كما في فتح الباري لابن حجر. ومن الأحاديث التي تؤصل هذه القاعدة: ما رواه البخاري في الصحيح الحديث رقم (123) ، قال"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما القتال في سبيل الله، فإن أحدنا يقاتل غضبًا، ويقاتل حميةّ؟ فرفع إليه رأسه -قال: وما رفع إليه رأسًا إلا أنه كان قائمًا- فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وفي الحديث الطويل للجيش الذي يؤم البيت في كتاب الفتن باب الخسف. قوله صلى الله عليه وسلم:"يبعثهم الله على نياتهم"رواه مسلم في الصحيح الحديث (2884) ، وعند البخاري في الصحيح في حديث الإنفاق، الحديث رقم (56) :"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في أمرأتك"وهذا يعني إذا لم تكن تبتغي وجه الله في الأمور فلا أجر ولا ثواب، وإنما الأمور بمقاصدها، والأعمال بالنيات، والأحاديث في الباب يتعذر حصرها. وللدكتور يعقوب الباحسين كتاب قاعدة الأمور بمقاصدها: دراسة نظرية وتأصيلية طبع في مجلد واحد بمكتبة الرشد- الرياض، ط 1، عام 1418 هـ/1998 م.

(8) لعله حسين بن محمد بن أحمد شيخ الشافعية بخراسان (ت 462 هـ) أبو علي علي المروذي، كان من أوعية العلم، انظر ترجمته في السير للذهبي (18/ 260) رقم (131) .

(9) السيوطي الأشباه والنظائر، الصفحة (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت