ويسعى الفقهاء اليوم في المجامع الفقهية -مثل منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة- لإتمام ما فعله الأولون، بصناعة الأعمال الموسوعية للقواعد الفقهية، بعد أن كانت مُبدّدة ومتناثرة في بطون كتب الفقه الأولى، مثل كتب فقه أبي حنيفة (ت 150 هـ) ، وكتاب الخراج لأبي يوسف القاضي (ت 182 هـ) ، وكتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هـ) ، والمدونة الكبرى للإمام مالك (ت 179 هـ) ، والأم للشافعي (ت 205 هـ) وغيرها؛ وذلك بتكليف الباحثين المتخصصين في العالم الإسلامي بقراءة هذه الكتب واستخراج القواعد الفقهية منها، لجمع ما تشتت منها وتبدّد في معلمة موسوعية واحدة، تكملة لمسيرة التطور في القواعد الفقهية، لتستوعب ما يشهده العالم المعاصر من متغيرات تتبدل لحظة بلحظة، وبشكل مذهل خصوصًا في مجال الاتصالات حيث تحول العالم إلى قرية، غيّرت نمط الحياة والتعليم والثقافة، وطوت المسافات، وبدّلت لغة الحضارة وصاغت البرامج المقنّنة، حيث صار بالإمكان مثلًا إبرام عقود وصفقات ومعاملات مالية اقتصادية عبر الحاسوب، حوّلت الفقه المالي إلى فقه الكتروني.
وهذا البحث المسمى:"تطور القواعد الفقهية من ظاهرة إلى علم وأثر ذلك في الفقه الإسلامي"يُسلّط الضوء على مفهوم هذه القواعد وتعريفها وتبيان أهميتها في ضبط الفقه الإسلامي، وعرض آثارها عند المفتي والقاضي والفقيه ورجل القانون، وإبراز أنواعها ومصادرها، وخصوصًا تطورها عبر العصور من قواعد متناثرة إلى قوانين أصلها العلماء في اجتهادهم المستمر لرفع راية هذه الشريعة عالية؛ حيث لا يخفى ما لهذه القواعد من أثر في الدراسات الفقهية، والدراسة المقارنة بين مذاهب الفقه المختلفة، والتنظير الفقهي، وفي التشريعات الوضعية والقانونية، وتقنين الشريعة، وقد آن للفقه الإسلامي أن يتبوأ مكانته عاليًا عبر قواعده؛ ليصبح مصدرًا من مصادر القانون الدولي [1] .
تكمن أهمية البحث في كونه يتعرض لكشف تضارب الفتاوى وعدم فهم مناهجها عند
(1) كما تنص عليه المادة (38) من النظام الأساسي للمحكمة.