فرارًا من الزكاة، أو أتلف جزءًا من النصاب قصدًا للتنقيص لتسقط عنه الزكاة، أو جعل السائمة علوفة، لم تسقط عنه الزكاة عند الحنابلة والمالكية، سدًا للذرائع، لأنه قصد إسقاط نصيب من انعقد سبب استحقاقه، ولقوله تعالى {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} فعاقبهم الله تعالى بذلك، لفرارهم من الصدقة قال أبو يوسف: لا يحتال في إبطال الصدقة بوجه ولا سبب، وقال أبو حنيفة والشافعي: تسقط عنه الزكاة؛ لأنه نقص قبل تمام حوله، فلم تجب فيه الزكاة، كما لو أتلف لحاجته، والراجح القول الأول، وذلك سدا لذريعة ضياع حق الفقراء بمثل هذه الألاعيب.
ومنها:- النهي عن تلقي الركبان الوارد في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( لا تَلَقَّوا الرُّكْبَان، ولا يَبيعُ حاضِرٌ لبادٍ ) )فقال له طاووس: ما قوله: لا يبيع حاضِرٌ لبادٍ؟ قال: لا يكونُ له سِمْسارًا. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي البيوع. هذه رواية مسلم , وله وللبخاري قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( لا تَلَقَّوا السِّلَعَ، حتى يُهْبَطَ بها إلى السوق ) )وأخرجه أبو داود بزيادةٍ في أوله قال (( لا يبع بعضُكم على بيع بعضٍ، ولا تَلَقَّوا السِّلَعَ ... الحديث ) )وما هذا إلا سدا لذريعة الغش والغبن وأكل أموال الناس بغير حق، ولأن هذا الفعل مناف لأخوة الإيمان وللنصح الواجب بين المسلمين، ولأن الشريعة جاءت بحفظ الأموال، فحفظها من المقاصد الضرورية العامة، وأموال الجلب والركبان لا بد من حمايتها من تجار السوق، فمنعت الشريعة تلقيهم بالخروج إليهم، بل لا بد أن يهبط صاحب السلعة في السوق ويتعرف على القيمة بنفسه ليكون على بينة من أمره، ثم بعد ذلك يبيع بما يشاء والمهم أن منع تلقي الركبان إنما قرر في الشرع من باب سد الذرائع، والله أعلم.
ومنها:- النهي عن الاحتكار، أي احتكار السلع لوقت الغلاء، الاحتكار المضر بالناس، فهذا خطأ وحرام، وفي الحديث الذي رواه مسلم قي الصحيح (( لا يحتكر إلا خاطئ ) )وهذا التحريم مبناه على سد الذرائع، فإن هذا الاحتكار يضر بالناس، ويرفع عليهم الأسعار، ويوقعهم في الحرج الكبير، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتقليل المفاسد وتعطيلها، والاحتكار فيه مراعاة