المتقرر أنه لا يجوز إيذاء المسلمين، فأي سبب ووسيلة تتضمن إيصال الأذى لهم بغير وجه الحق فإنها محرمة، ومن هذه الوسائل البول في موارد مياههم التي يشربون منها ويستقون منها فإن الناس إن علموا أن فلانا قد اغتسل في هذا الماء الدائم القليل الذي لا يجري أو بال فيه، فإن النفوس تعافه، فيفضي هذا إلى تركه، وهذا عين إفساده عليهم، وقد نص على هذه العلة أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره رحم الله الجميع رحمة واسعة، وفي حديث أبي سعيد الحميري عن معاذ رضي الله عنه قال:- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (( اتَّقُوا الْمَلاَعِنَ الثَّلاَثَ الْبَرَازَ في الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ ) )والمراد بالموارد:- أي مياه الناس، ولذلك قرر الفقهاء رحمهم الله تعالى قاعدة هي متفرعة على قاعدة سد الذرائع، تقول هذه القاعدة (لا تقضى الحاجة في كل مكان للناس فيه منفعة مباحة) ومن هذه الأماكن التي للناس فيها منفعة مباحة موارد الناس، وفي الصحيح عن جابر قال:- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد. والله أعلم.
ومنها:- النهي عن قضاء الحاجة في طريق الناس المسلوك أو ظلهم، لأن هذا الفعل يفضي إلى التضييق على الناس في أماكن راحتهم واستجمامهم، ولأن لهم في ذلك منفعة مباحة، وهي منفعة الاستطراق والاستظلال، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:- قال النبي صلى الله عليه وسلم (( اتقوا اللاعنين ) )قالوا:- وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال (( الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم ) )فلا يجوز هذا الفعل، لما فيه من الضرر على الناس، والمتقرر في قواعد الشرع:- أنه لا ضرر ولا ضرار، فانظر إلى كمال هذا الدين العظيم، زاده الله شرفا ورفعة.
ومنها:- النهي عن البول في الجحر، فإن هذا منهي عنه لسد ذريعة الضرر على المتخلي، إما لأن هذا الجحر قد يكون من مساكن الجن، فيؤذيهم، فيعودون عليه بالرد بالمثل فيؤذونه، وإما خشية من أن يكون مسكنا لبعض دواب الأرض فتخرج فتؤذيه بسمها أو عضها، والمهم أن كلا العلتين تفيدك أنه منهي عنه لسد الذريعة، روى أبو داود في سننه قال:- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حدثني أَبِى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ يُبَالَ في الْجُحْرِ. قَالَ قَالُوا لِقَتَادَةَ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ في الْجُحْرِ قَالَ كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ. ولا بأس بسنده، فمراعاة هذا الأصل الكبير الذي هو سد الذريعة أوجب النهي عن هذا الفعل.