أن يشتري ببعض ثمنه أداة لحرفة يحترفها، ولو كان الإقراض من أموال الزكاة جائزة ما باع- صلى الله عليه وسلم- حاجات الرجل ولكان أقرضه فعدم إقراضه دليل على عدم جواز هذا الإقراض.
قال المحققون من علمائنا: إن تركه- صلى الله عليه وسلم- كفعله سنة أي دليل يستدل به وإن فعل ما تركه نظير ترك ما فعله، كلاهما مخالف للسنة [1] .
قال ابن السمعاني:"إذا ترك الرسول شيئا وجب علينا متابعته فيه" [2] وقال الزركشي:"المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التروك" [3] .
2 -أنه قياس مصادم لما جرى عليه العمل وثبت مستمرا من لدن نبينا- صلى الله عليه وسلم- حتى وقتنا، وبيان ذلك: أن وجود فائض من أموال الزكاة أمر قد حدث وتكرر في عصور السلف، ووجود المحتاجين إلى الإقتراض لسد حاجات غير الحاجات التي تقوم الزكاة بسدها أمر ثابت أيضًا في كل العصور، فالمسألة ليست مستجدة بل هي مسألة قديمة، ومع ذلك لم ينقل إلينا أن أحدا من أئمة السلف أو الخلف حتى وقتنا أقرض هؤلاء أو قال بإقراضهم الزكاة. قال الشاطبي [4] :"ما جرى عليه العمل وثبت مستمرًا أثبت في الاتباع وأولى أن يرجع إليه"وقال: العمل العام هو المعتمد على أي وجه كان وفي أي محل وقع ولا يلتفت إلى قلائل ما نقل ولا نوادر الأفعال إذ عارضها الأمر العام والكثير"كما قال: ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين .... وفى مخالفة السلف الأولين ما فيها"، وقال: الحذر الحذر من مخالفة الأولين، فلو كان ثم فضل ما لكان الأولون أحق به"، وكلامه هذا فيما ثبت أن الأعم الأغلب من الأولين كان عليه، ثم قال: والقسم الثالث: ألا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال فهو أشد مما قبله .... وماتوهمه المتأخرون من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه البتة إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له وأمه محمد-صلى الله عليه وسلم- لا تجتمع على ضلالة فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل"
(1) أعلام الموقعين لابن القيم ج 2 ص 390،440.
(2) البحر المحيط ج 4 ص 214.
(3) البحر المحيط ج 4 ص 191.
(4) الموافقات للشاطبي ج 3 ص 66، ص 67، ص 70، ص 71، ص 73.