الصفحة 52 من 88

غير محدود، فإذا رغبتموني فأنا في ضريح جدي موجود، لتلاوة دعاء كميل بن زياد، سائلا المولى أن ينقذ العباد، ولا تأخذكم الملل عن طول الانتظار، ولا يدخل الشيطان في قلوبكم باليأس والاضطرار، فإن ظهور الإمام المهدي وقته لم يعين، ومكان إتيانه لم يبين، وإني مع الحلول علي الضعف والنحافة، ومع فقد قوة جسمي من قطع المسافة، حتى كدت أن أنبذ كل الأموال والحلل، التي أنفقتموها لخدمة أحسن الملل، وما يهم بي إلا ذكر دم الحسين، إلا أني عاهدت الله رب الثقلين، أني سأكون وسيلة بينكم وبين الجد، ولن تندموا إلى حد اتكاء الخد على اليد، وذهب عنهم وتركهم في ظلمات الخيال، وهم ينتظرونه في هذا المجال، وما كان أحد منهم في فهم أنه غرّ وفرّ، وعلى الخيانة أصرّ، ودخل في قلوبهم الفرح والسرور، ولذة التخيل والحبور، لنيل المراد، واحتفلوا كأنهم في الأعياد، إلى أن جعل بعضهم يموتون من أجل كثرة عدد سنوات الانتظار، وبدأت تأخذهم مشقة الاضطرار، ولما طال أجل الانتظار، وكثر عدد الليل والنهار، وبان لهم أن ابن النبي قد مان، وإلى الآن وقت ظهور المهدي ما حان، قاموا إلى كل الأماكن يفتشون، ويسألون عن خبره ويتطلعون، وقال بعضهم يبدو أنه خدعنا، وقال غيرهم بل جدعنا، فضرب كل يده على الخد وهم يندمون، وقد اتقدت لهذه الخدعة فؤادهم، ومزقت أكبادهم، وألمتهم هذه الحيلة، وضرتهم تلك الغيلة، وهم يتضررون.

ثم سقط في قلوبهم زيارة ضريح الحسين، لاطلاع على حقيقة الأمر بالعينين، فجمعوا بعض الأموال، وأرسلوا عدد من الرجال، فهبطوا في ساحة كربلاء، وبهم الفزع والبلاء، ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وملأت صراخهم جو السماء، فجاءهم القوم وهم من كل حدب يهرعون، وتجمعوا من حولهم وهم منهم يستفهمون، عن سبب هذا البكاء، وما لون هذا البلاء، وما الذي بساحتكم نزل، وتمنوا لو مالوا إلى قصتهم بالتفسير، ويبينوا تفصيل مصيبتهم بالتعبير، فبينوا لهم القصة من بدايتها، حتى وصلوا إلى نهايتها، ثم سألوهم هل تعرفون ابن النبي الذي هو المطلوب، لنضع أيدينا عليه وهو المرغوب، فقالوا إن الذي أنتم تطلبونه ليس في هنا بموجود، بل اسمه في قرطاس الضريح مفقود، فأراد بعض العقلاء أن يعطوهم اللوم والعتاب، وأنهم لم يكونوا على الصواب، وقالوا يا معشر السود، ويا عباد الله خالق الدود، لا تلوموا على أحد في هذا المجال، فقالوا نحن أهل الخطأ لعدم العمل بما ليس في الكتاب.

فلما وصلني خبرهم ورأيت كلما رأيت، أخذتني الرأفة بهم فبكيت، ومع كون أرضنا واسعة أخذتني بضيقها، وكانت السماء ممطرة فخطفت بصري بريقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت