فلا بد أن يكون فيها من يبين أمر الله ورسوله، ولو اجتهدت الملوك على جمع الأمة خلافه لم يتم لهم أمرهم، كما جرى مع المأمون والمعتصم والواثق، حيث اجتهدوا على إظهار القول بخلق القرآن وقتلوا الناس وضربوهم وحبسوهم على ذلك، وأجابهم العلماء تقية وخوفًا، فأقام الله إمام المسلمين في وقتهم أحمد بن حنبل، فرد باطلهم حتى اضمحل أمرهم، وصار الحق هو الظاهر في جميع بلاد الإسلام والسنة، ولم يكن الإمام أحمد يحابي أحدًا في مخالفة شيء من أمر الرسول وإن دق، ولو عظم مخالفة في نفوس الخلق، فقد تكلم في بعض أعيان مشايخ العلم والدين لمسألة أخطأها، فحمل أمره حتى لما مات لم يصل عليه إلا نحو أربعة أنفس، وكان كلما تكلم في أحد سقط، لأن كلامه تعظيم لأمر الله ورسوله لا هوى نفسه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وإن ما بعث الله به نبيه محمدا $ من الكتاب والحكمة يجمع مصالح العباد في المعاش والمعاد على أكمل وجه فانه خاتم النبيين ولا نبي بعده، وقد جمع الله في شريعته ما فرقه في شرائع من قبله من الكمال، إذ ليس بعده نبي فكمل به الأمر كما كمل به الدين، فكتابه أفضل الكتب، وشرعه أفضل الشرائع، ومنهاجه أفضل المناهج، وأمته خير الأمم وقد عصمها الله على لسانه فلا تجتمع على ضلالة، ولكن يكون عند بعضها من العلم والفهم ما ليس عند بعض، والعلماء ورثة الأنبياء، وقد قال تعالى: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. [1] فهذان نبيان كريمان حكما في قصة فخصَّ الله أحدهما بالفهم ولم يعب الآخر بل أثنى عليهما جميعا بالحكم والعلم، وهكذا حكم العلماء المجتهدين ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل العاملين بالكتاب، وهذه القضية التي
(1) سورة الأنبياء آية (78) .