يقول شيخ الإسلام: (( إن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد، وقد تجب في حال دون حال، وعلى قوم دون قوم، وقد تكون مستحبة غير واجبة، وقد تستحب لطائفة أو في حال كالأعمال سواء ..
وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها، كما قال ابن عباس لما سأله أحدهم عن قوله تعالى: (( اللَّهُ الَذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ .. ) )الآية. فقال: ما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت، وكفرك تكذيبك بها). (1)
ويوضح الشاطبي هذا الأمر فيقول:
(ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة ومما يفيد علمًا بالأحكام، بل ذلك ينقسم، فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص) . (2)
ثم يقول: (( وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول(*) فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية )). (3)
وقد طبق الصحابة -رضي الله عنهم- هذا الضابط، فكانوا في دعوتهم وتبليغهم مراعين لأفهام الناس وأحوالهم، فها هو عبادة بن الصامت -رضي الله عنه - وهو يعالج مرض الموت - يقول: ما من حديث سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكم فيه من الخير إلا حدثتكموه إلا حديثًا واحدًا، وسوف أحدثكموه اليوم وقد أحيط بنفسي، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرَّم الله عليه النار ) ) (4)
(1) الفتاوى 6/ 59
(2) الموافقات 4/ 189
(3) الموافقات 4/ 191
(4) رواه مسلم.