إن ردود الفعل مسلك سلكه أهل الجهل والظلم .. كما هو ظاهر عند طوائف المبتدعة .. وقد هدى الله تعالى أهل السنة فجمعوا بين العلم والعدل، فهم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، ومن ثم فقد سلموا من نتائج وعواقب تلك الردود، وصاروا وسطًا وعدلًا بين تلك الطوائف المتباينة.
ومن المعلوم أن دين الله عز وجل وسط بين الغالي والجافي، يقول الشاطبي في هذا الشأن: (( الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الأوسط الأعدل، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال كتكاليف الصلاة، والصيام ..
فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف، أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين، كان التشريع رادًا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه، فعلَ الطبيب الرفيق يحمل المريض على ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته، وقوة مرضه وضعفه، حتى إذا ما استقلت صحته، هيأ له طريقًا في التدبير وسطًا لائقًا به في جميع أحواله )) (1) .
ولقد تفطن سلفنا الصالح لهذا المزلق، وأشاروا إليه، فهذا خطيب أهل السنة ابن قتيبة يحكي أمثلة على ذلك فيقول:
(( لما رأى قوم من أهل الإثبات إفراط هؤلاء في القدر(أي في نفيه) .. حملهم البغض لهم، واللجاج على أن قابلوا غلوهم بغلو، وعارضوا إفراطهم بإفراط، فقالوا بمذهب جهم في الجبر المحض، وجعلوا العبد المأمور المنهي المكلف لا يستطيع من الخير والشر شيئًا على الحقيقة.
وزعم آخرون تصحيح التوحيد ونفي التشبيه عن الخالق، فأبطلوا الصفات مثل: الحلم والقدرة، والجلال، والعفو وأشباه ذلك. فعارضهم قوم بالإفراط في التمثيل فقالوا بالتشبيه المحض: وكلا الفريقين غالط، وقد جعل الله التوسط منزلة العدل، ونهى عن الغلو فيما دون صفاته من أمر ديننا، فضلًا عن صفاته ..
(1) الموافقات 2/ 163