ولقد كان نبينا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه -رضي الله عنهم- على التسليم لله تعالى وآياته وإجلال النصوص الشرعية وتعظيمها، ولقد خرج -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه وهم يقولون: ألم يقل الله كذا وكذا، يرد بعضهم على بعض، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان من الغضب، ثم قال: (( ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم ) ) (1) .
وقد ضرب الصحابة -رضي الله عنهم- أروع الأمثلة في التسليم والإجلال للنصوص الشرعية، فهذه امرأة تقدم على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وتسألها، فتقول: (( ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: أحرورية أنت؟ فقالت المرأة: لست حرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) ) (2) .
ويحدث عمران بن حصين -رضي الله عنه- فيقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( الحياء كله خير ) ). فيقول أحدهم: إنا لنجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعف. قال فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعارض فيه. قال فأعاد عمران الحديث، وأعاد الرجل مقالته، فغضب عمران، حتى قال الحاضرون له: إنه منا يا أبا نجيد، إنه لا بأس به. أي ليس ممن يتهم بنفاق أو زندقة (3) .
وقد التزم سلف هذه الأمة هذا المنهج، واعتنوا أيما عناية بتحقيقه، فها هو الأوزاعي -رحمه الله- يقول: (( من الله تعالى التنزيل، وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم ) ) (4)
(1) رواه أحمد والترمذي.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.
(4) التمهيد 6/ 14