وقد دلَّ - على ما سبق - الكتاب، والسُّنة، والإجماع. فمن ذلك قوله - تعالى: (( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) (الحجرات: 14) .
فأثبت لهم إسلامًا، وطاعة، وانقيادًا لله ورسوله، مع نفي الإيمان المطلق، الذي جاء في قوله - تعالى - (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) ) (الحجرات: 15) .
فاجتمع في هؤلاء الأعراب إيمان وطاعة مع ما يضادهما من شعب الكفر. .. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) ).
فدلّ هذا الحديث على أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق، أو الشرك، أو الكفر - مما لا يخرج من الملة (الأصغر) .
وإذا تقرر ما سبق، فإنه يمكن اجتماع الولاية والعداوة في الشخص الواحد، فيوالي الشخص، ويُحب، ويُنصر لما معه من إيمان وتقوى، وفي الوقت نفسه يُبغض، ويُعادي لما معه من كفر وفجور، كما فعل نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، مع شارب الخمر - الذي سبق ذكره - فأقام عليه الحد تحقيقًا للعداوة في ذات الله، والبراءة ما ارتكبه ذلك الشخص.
وفي الوقت نفسه نجده، صلى الله عليه وسلم يدافع، وينصر ذلك الشارب، ويشهد له بمحبة الله ورسوله، فاللهم صلّ، وسلِّم على الرحمة المهداة، وارزقنا التوفيق للتأسي به في كل شأن.