قطع المسافة بالقلوب إليه [1] لا *** بالسير فوق مقاعد الركبان
وما أشبعَ كلمات أحمد بن خضرويه حين قال: القلوب أوعية فإذا امتلأت من الحق؛ أظهرت زيادة أنوارها على الجوارح، وإذا امتلأت من الباطل؛ أظهرت زيادة ظلمتها على الجوارح.
وقد وُصفت قراءة الفضيل بن عياض ــ رحمه الله ــ فقيل: كانت قراءته للقرآن قراءةً حزينة شهية بطيئة مترسلة، كأنه يخاطب إنسانًا.
-ومما يُبيِّن أن القلب هو المخاطب بدءًا بالقرآن؛ أمور منها:
أ أنّ القرآن نزل أولًا على القلب:
يقول الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 192 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ 193 عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ 194 بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ 195} الشعراء [193 - 195]
فقال: {عَلَى قَلْبِكَ} ولم يقل على سمعك أو بصرك أو ذهنك ونحو ذلك، بل {عَلَى قَلْبِكَ} ، وهذا ظاهر الدلالة.
ويقول تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} (97) سورة البقرة
فأول جارحة تخاطب بهذا القرآن هي القلب، فإن أنصت القلب؛ أنصتت تبعًا له بقية الجوارح، وإن أعرض كانت كالرعية بلا راعي.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في التحفة العراقية بعد كلام له طويل عن أحوال القلب قال:"وهذا الذي ذكرنا مما يبين أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها" [2] .
(1) أي: إلى الله.
(2) ج 1/ص 42.