فهذه المسألة إنَّما هي اختلاف وقع لبعض الصحابة في نقل الشرع، فبيَّن لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصواب، ولم يكن ذلك دليلًا على أنَّ فيه اختلافًا، فإنَّ الاختلاف بين المكلفين في بعض معانيه أو مسائله، لا يستلزم أنْ يكون في نفسه اختلاف، فالاختلاف هنا ظاهري، لا حقيقي، فقد اختلفت الأمم في النبوءات ولم يكن ذلك دليلًا على وقوع الاختلاف في نفس النبوءات، واختلفت في مسائل كثيرة في علوم التوحيد ولم يكن اختلافهم دليلًا على وقوع الاختلاف فيما اختلفوا فيه، فكذلك ما نحن فيه [1] .
وإذا ثبت هذا صحَّ منه أنَّ القرآن في نفسه لا اختلاف فيه، وأنَّ السُّنَّة النبويَّة في نفسها لا اختلاف فيها، ونستنتج من الاثنين أنَّه لا اختلاف بينهما، لأنَّ السُّنَّة إنِّما هي بيان وتفسير للقرآن، وأنَّها وحيٌّ وإلهامٌ من الله تعالى، فاستحال التناقض والتعارض بينهما، لأنَّ كلاهما يقرران معنىً واحدًا وهو الحق، والحق لا يختلف في نفسه، فكل اختلاف صدر من مكلف، فالقرآن والسُّنَّة هما المهيمنان عليه، قال تعالى: ... [2] ، فهذه الآية وما أشبهها صريحة في الرد إلى كتاب الله تعالى،
(1) انظر: الاعتصام، للشاطبي، 2/ 510.
(2) سورة النساء، الآية (59) .