"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"أي: تواضع لهما، ذلا لهما، ورحمة، واحتسابا للأجر، لا لأجل الخوف منهما، أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد، التي لا يؤجر عليها العبد،"وقل رب ارحمهما"أي: ادع لها بالرحمة أحياء، وأمواتا. جزاء على تربيتهما إياك، صغيرا.
وفهم من هذا، أنه كلما ازدادت التربية، ازداد الحق. وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه، تربية صالحة غير الأبوين، فإن له على من رباه حق التربية.
"ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا"
أي: ربكم تعالى مطلع على ما أكنته سرائركم، من خير وشر، وهو لا ينظر إلى أعمالكم وأبدانكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وما فيها من الخير والشر،"إن تكونوا صالحين"
بأن تكون إرادتكم ومقاصدكم دائرة على مرضاة الله ورغبتكم فيما يقربكم إليه، وليس في قلوبكم إرادات مستقرة لغير الله.
"فإنه كان للأوابين"أي: الرجاعين إليه في جميع الأوقات"غفورا"فمن اطلع الله على قلبه، وعلم أنه ليس فيه إلا الإنابة إليه ومحبته، ومحبة ما يقرب إليه، فإنه، وإن جرى منه في بعض الأوقات، ما هو مقتضى الطبائع البشرية، فإن الله يعفو عنه، ويغفر له الأمور العارضة، غير المستقرة،"وآت ذا القربى حقه"من البر والإكرام، الواجب والمسنون، وذلك الحق، يتفاوت بتفاوت الأحوال، والأقارب، والحاجة وعدمها، والأزمنة. ..."والمسكين"آته حقه من الزكاة ومن غيرها، لتزول مسكنته"وابن السبيل"وهو: الغريب المنقطع به عن بلده،"ولا تبذر تبذيرا"يعطى الجميع من المال، على وجه لا يضر المعطى، ولا يكون زائدا على المقدار اللائق، فإن ذلك تبذير، وقد نهى الله عنه وأخبر:
"إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين"لأن الشيطان، لا يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة، فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك، فإذا عصاه، دعاه إلى الإسراف والتبذير. والله تعالى، إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها، ويمدح عليه، كما في قوله، عن عباد الرحمن الأبرار
"والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما"
وقال هنا"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك"كناية عن شدة الإمساك والبخل.
"ولا تبسطها كل البسط"فتنفق فيما لا ينبغي، وزيادة على ما ينبغي،"فتقعد"إن فعلت ذلك
"ملوما"أي: تلام على ما فعلت"محسورا"أي: حاسر اليد فارغها، فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء.
وهذا الأمر بإيتاء ذي القربى، مع القدرة والغنى. فأما مع العدم، أو تعسر النفقة الحاضرة، فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال:
"وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها"أي: تعرضن عن إعطائهم إلى وقت آخر، ترجو فيه من الله تيسير الأمر.