أعظم منه وهو العرش وما لا يعلمه إلا هو وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال فكيف بعظمة خالقها ومبدعها والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب فلهذا قال:
"ولا يؤوده"
أي: يثقله
"حفظهما وهو العلي"
بذاته فوق عرشه العلي بقهره لجميع المخلوقات العلي بقدره لكمال صفاته
"العظيم"
الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته فهذه الآية بمفردها عقيدة في جانب عظمة العلي العظيم فآية احتوت على هذه المعاني التي هي أجل المعاني يحق أن تكون أعظم آيات القرآن ويحق لمن قرأها متدبرا متفهما أن يمتلئ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان وأن يكون محفوظا بذلك من شرور الشيطان.
فضل الآيتين الآخيرتين من سورة البقرة:
• عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه) . (متفق عليه)
= في معنى كفتاه أقوال أحدهما: كفتاه قراءة في قيام الليل، والثاني: كفتاه من كل سوء ومن الشيطان، والثالث: كفتاه أجرًا فأجرها عظيم.
• وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يُقرآن في دار ثلاث ليال فيقر بها شيطان) . (رواه الترمذى وصححه الألبانى)
أخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال: قال علي رضي الله عنه ما في القرآن أوسع آية من (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)