و بين هذين الرجلان من الدرجات درجات كثيرة ربها أعلم بها.
فالقضية العادلة أن الله إله الكون كله و رب العالمين لا إله غيره خلقنا من ضمن ما خلق لنعبده فإما عبد مطيع و إما عبد آبق فجزى الله المطيع خيرا و جزى الله الكافر بعمله.
و لكن إن ذكرنا ذلك فلا ينبغي أن لا نذكر أن الله سبحانه أكرمنا بعطايا جعلت عبوديتنا في أجمل صورة كرما منه و تفضلا فقد خلقنا سبحانه بيده في أحسن تقويم و أسجد لنا ملائكته و أظهر شرفنا لهم و سخر لنا ما في الأرض جميعا منه و رزقنا في الدنيا جنة الإيمان بالعبودية له سبحانه و التوكل عليه و الإخلاص له و دعاؤه و مناجاته فهو سبحانه سميع قريب مجيب خلق لنا من أنفسنا أزواجا لنسكن إليها و جعل بيننا مودة و رحمة و جعل لنا من أزواجنا بنين و حفدة و رزقنا من الطيبات و جعل مع العسر في الدنيا يسرين و لم يغلق باب التوبة في وجه من أخطأ و بسط سبحانه يده بالليل ليتوب مسيء النهار و يده في النهار ليتوب مسيء الليل و رضى منا باليسير من العمل و تجاوز و عفا عن الكثير من الزلل فما أصابنا من مصيبة فبما كسبت أيدينا و يعفوا عن كثير و من كل ما سألناه أعطانا و أعطانا من النعم في الدنيا ما لا نعد و لا نحصي و جعل امتحاننا في الدنيا قصير جدا و أعاننا فيه بإرسال الرسل و إنزال الكتب و موالاة الحجج و لم يجعل النجاة قاصرة على الكُمل بل كل موحد ناج أصابه قبل ذلك ما أصابه.
ووعدنا في الآخرة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر مخلدين فيها لنا فيها ما نشاء في ملك كبير عظيم لا نحزن فيه أبدا.
فأي عدل فوق هذا و أي فضل فوق هذا فمن آبق فقد جحد حق الربوبية و الإلهية و جحد فضل الله فاستحق العقوبة.
و من آمن ناله من الخير العظيم ما هو فوق أمنيته مخلدا فيه.
و لو لم يكن من ذلك إلا أن الله خلق الخلق و أمرهم بعبادته و عاقب من أساء لكان عدلا و لو كلفهم أن يعبدوه الليل و النهار و لكنه سبحانه رحمن رحيم كريم له الأسماء الحسنى و الصفات العلا فتبارك الله رب العالمين.
*** الفوائد العملية في الآية:
1 -النار لها كيفية تدرك بها و تعقل و هي عظيمة الغيظ على الكافرين حتى كأنها تكاد تتقطع غيظا منهم و هذا من زيادة عقوبتهم و هذا يقود للخوف من الله فأشد عذاب الدنيا يتضاءل أمام هذا العذاب و نسأل الله العافية.
2 -عدم الاغترار بكثرة الكافرين و تقلبهم فكما كفروا أفواجا و حادوا الله أحزابا و تقلبوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد سيدخلون النار أفواجا يلقون فيها كالقمامة تلقى في القليب لا قيمة لهم و لا وزن.
3 -التأمل في سفه من بلغه النذير بهذا الوعيد الشديد و قام لديه دليل صدقه ثم لم يسعى في نجاة نفسه أو من بلغه النذير و لم يكلف نفسه عناء البحث عن صدقه فهؤلاء بسوء صنيعهم لا تنفع فيهم شفاعة شافع و لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا و لو افتدى به.
4 -عظمة الله و رحمته في إعذاره إلى خلقه بإرسال الرسل إليهم قبل عقوبتهم و هو غنى عنهم و سوء صنيع الكافرين بتكذيب النذير رغم عجزهم و فقرهم.
5 -التأمل في عدالة قضية الخلق و عظيم فضل الله على خلقه.