مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) " [النساء: 95] ."
و لكن المعونة على قدر المؤونة و لم يزل الله سميعا مجيبا رفيقا بعباده و لولا الله و كرمه و لطفه و بره و عفوه ما زكى من الخلق من أحد أبدا و لكن الله يزكى من يشاء و يوسع على من يشاء و يلطف بعباده و يهيأ لهم سبل الخير من حيث يعلمون و لا يعلمون و يحسبون و من حيث لا يخطر ببالهم قط يرفق بهم في الدنيا و المتأمل لحالهم يقول هم في ضيق و هم في أعظم السعة جمعت لهم الدنيا بحذافيرها و لله الحمد و المنة على ما يليق به سبحانه.
والفائدة التي سقنا هذا الشرح لبيانها أن هذه الآية شفاء لصدر المؤمن في وقت غربته و تسلط عدوه عليه يتأمل فيها المصائر فتسكن نفسه و تثبت فالأمر ليس على ما هو عليه الآن بل هي لحظات و تتحدد المصائر فريق في الجنة و فريق في السعير.
*** قال بن منظور (جهنم) الجِهنّامُ القَعْرُ البعيد وبئر جَهَنَّمٌ وجِهِنَّامٌ بكسر الجيم والهاء بعيدة القَعْر وبه سميت جَهَنَّم لبُعْدِ قَعْرِها ولم يقولوا حِهِنَّام فيها وقال اللحياني جِهِنَّام اسم أَعجمي وجُهُنّام اسم رجل وجُهُنَّام لقب عمرو بن قَطَنٍ من بني سعد بن قيس بن ثعلبة وكان يُهاجِي الأَعشى ويقال هو اسم تابعته وقال فيه الأَعشى دَعَوْتُ خَلِيلي مِسْحَلًا ودَعَوْا له جُهُنَّامَ جَدْعًا للهَجِينِ المُذَمَّمِ وتَرْكُه إِجراءَ جهُنَّام يدل على أَنه أَعجمي وقيل هو أَخو هُرَيْرَة التي يَتَغَزّل بها في شعره وَدِّعْ هُرَيْرَةَ الجَوْهري جَهَنَّم من أَسماء النار التي يعذّب الله بها عباده نعوذ بالله منها هذه عبارة الجوهري ولو قال يعذب بها من استحق العذاب من عبيده كان أجود قال وهو مُلْحَق بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه ولا يُجْرَى للمعرفة والتأْنيث ويقال هو فارسي معرّب الأَزهري في جَهَنَّم قولان قال يونس بن حبيب وأَكثر النحويين جهنم اسم النار التي يعذّب الله بها في الآخرة وهي أَعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعُجْمة وقال آخرون جَهَنَّم عربيّ سميت نار الآخرة بها لبُعْد قَعْرِها وإِنما لم تُجْرَ لِثقَلِ التعريف وثِقَل التأْنيث وقيل هو تعريب كِهِنَّام بالعِبْرانية قال ابن بري من جعل جهنَّم عربّيًا احتج بقولهم بئر جِهِنَّام ويكون امتناع صرفها للتأْنيث والتعريف ومن جعل جهنم اسمًا أَعجميًّا احتج بقول الأَعشى ودَعَوْا له جُهُنَّامَ فلم يصرف فتكون جهنم على هذا لا تنصرف للتعريف والعجمة والتأْنيث أَيضًا ومن جعل جُهُنَّام اسمًا لتابعة الشاعر المُقاوِم للأَعشى لم تكن فيه حجة لأَنه يكون امتناع صرفه للتأْنيث والتعريف لا للعجمة وحكى أَبو عليّ عن يونس أَن جهنم اسم عجمي قال أَبو عليّ ويقويه امتناع صرف جُهُنَّام في بيت الأَعشى وقال ابن خالويه بئر جِهِنَّامٌ للبعيدة القعر ومنه سميت جهنم قال فهذا يدل أَنها عربية وقال ابن خالويه أَيضًا جُهُنَّامُ بالضم للشاعر الذي يُهاجِي الأَعشى واسم البئر جِهِنَّام بالكسر.
قلت: و في حديث أبي هريرة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعنا وجبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أتدرون ما هذا؟"قلنا: الله ورسوله أعلم، قال"هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين عاما الآن انتهى إلى قعرها"رواه مسلم.
*** و في وصفهم بالكفر بربهم بيان لعظيم إجرامهم فقد خلقهم و أنعم عليهم و رحمهم حتى أنه من رحمته زين لهم سماء الأرض التي يحيون عليها و هو القدير الغني عنهم و هم أفقر ما يكون إليه و مع ذلك يكفرون به.