فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 262

الثالث: أن لهم عقوبات في الدنيا تسبق عقوبات الآخرة.

و من أصدق من الله قيلا؟ فتوشك أن تصبح تلك الحروف المكتوبة نيرانا و جحيما و مصيرا أسودا مظلما فليتدبر كل امرئ مصير نفسه أولا ثم مصير الكافرين بكل أنواعهم و أجناسهم فهم مهما بلغوا و ملكوا و حكموا و عُظموا و صالوا و جالوا و طغوا و بغوا إلى هذه النهاية.

و قد وصف الله سبحانه النار في كتابه في تسع مواضع بأنها بئس المصير و في ثلاث مواضع أنها بئس المهاد و في موضع أنها بئس القرار و في أخر أنها بئس مثوى الظالمين فليس هناك بؤس أشد من ذلك.

فتدبر بقلبك أحوالهم في الدنيا و حالهم في الآخرة و تخيل تقلبهم في دركات جهنم و مدى ألمهم فيها و حسرتهم يشفى قلبك من أمراض خطيرة فإن العين رائد القلب و الإنسان في دنياه غافل تسوقه شهوته فلما يرى تَمكُن المبطلين و الكافرين و المنافقين يتأثر قلبه بشدة إما طمع فيما عندهم أو خوفا مما عندهم و الناجي من أنجاه الله

فهى فتنة تدخل على الإنسان من كل جانب من سمعه و بصره و حواسه و ممن حوله من البشر و ربما كان الإنسان في ضيق فتشتد عليه الفتنة فلما يتأمل مصيرهم و نهايتهم و يوقن بصدق موعود الله يشفى قلبه بإذن الله.

أيضا في زماننا هذا خصوصية فقد مالت كفة العلوم و التقدم الدنيوي إلي جانب الكفار لأنهم أخذوا بأسباب التقدم و تسلطوا علينا بطرق مباشرة أو غير مباشرة جهلها أغلب المسلمين و نحن نبذنا ديننا و أخذنا بأسباب التخلف و سلط الله علينا بما كسبت أيدينا من لا يرقب فينا إلا و لا ذمة يسوموننا سوء العذاب و يصدوننا عن سبيل الله قهرا و يعلمون أبنائنا حضارة الغرب و يحقرون لهم تراث أبائهم المسلمين - الذين وصفهم الله سبحانه أنهم خير أمة أخرجت في الناس و لو فتشت الأمم لم تجد فيها أبدا كعظماء هذه الأمة ففي أمتنا من كانت الملائكة تستحي منه من أهتز عرش الرحمن لموته و من أدخل في النار و لم يمسه سوء - رغم أنه لا مقارنة بين الأمتين و يكفي أن أدلل على ذلك بأن أذكر مثال لمن يعظمونهم فهذا أحدهم اكتشف قاعدة رياضية فخرج من الحمام يجرى عاريا يصيح وجدتها وجدتها و هذا الأخر فيلسوف شهير ممن يعظمونهم و يعرفونه لأبنائهم ضاقت به الدنيا فأحرق نفسه بل قديسيهم الذين هم صفوتهم من رجال الدين يفتخرون لو أن أحدهم ظل في قبو لا يستحم لمدة عام و يعدون ذلك شرفا له.

و الخلاصة فقد وصل الحال إلى أن نشأ أغلب أبناء المسلمين بعيدين عن دينهم قريبين من حضارات الغرب الكافر يعظمون أهلها و يقتدون بهم و يتبعون سننهم حذو القذة بالقذة يرون التحضر و التقدم في إتباعهم و التخلف و التأخر في الرجوع إلى هدى الكتاب و السنة و منهم من يصرح بذلك و هم كثر مسلطون لا كثرهم الله و منهم من يجد في نفسه الغضاضة و لكن لا يصرح بها خوفا من الله و من تدين و سلك سبيل الهداية فأغلبهم على غير الجادة ما بين مبتدع و مُخلط و ليس عجيبا أن تجد العداوات و الخلافات الحادة بين المسلمين نتيجة الجهل و التعصب و الهوى.

و أصبح الصراع الداخلي في داخل الأمة ربما أشد من صراعها لأعدائها فمن جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا هم من يصدوننا عن سبيل ربنا و منهم العالم المعاند و المحارب لله و رسوله و منهم الجاهل و منهم المبتدع و صاحب الهوى و المأجور و صاحب المصلحة و من ترعرع في ظل التربية الغربية فشربها و أصبح سان حالها بيننا.

و المسلم إن قيض الله له من يهديه للسنة و الدين و يفهمه الأمر بصورتها الصحيحة يجد نفسه في غربة شديدة و فوق ذلك أنه بَشر له احتياجات بشرية المال و الطعام و المسكن فيسعى لاكتسابها و ربما وجد الضيق و يرى هؤلاء القوم ممكنون متكبرون مصدرون في المنابر الإعلامية و في سعيه على كسبه يغفل كثيرا و يفتن كثيرا و ليس الساعي على نفسه و أهله كمن تفرغ للعلم و العبادة ففرغ له قلبه قال الله سبحانه"لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت