فأرسل الله سبحانه لهم رسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق يمرض و يتألم و يموت و يحيا كحياتهم. يرضى و يغضب و إن كان بطيء الغضب قريب الرضا لأنه من خيرهم، كذبه أقرب أقاربه رغم أن القريب و البعيد عرقه بالصدق و الأمانة من صغره و كانوا مع تكذيبه يأتمنونه على أموالهم فيودعونها عنده أمانات.
أوذي صلى الله عليه و سلم أشد الإيذاء فضرب و قذف بالحجارة و ألقي سلا الجزور على ظهره الشريف و لم يدخل مكة إلا في جوار مشرك و أتهم بالجنون و السحر و الكذب و مكر به قومه فأخرجوه و أرادوا قتله و جاهد صلى الله عليه و سلم فجرح و كان أشجع أصحابه و سحره اليهود فأصابه السحر و لكن الله عصمه من أن يؤثر ذلك على بلاغه و رسالته للأمة.
و كان صلى الله عليه و سلم له أهل يحبهم و يتألم لألمهم فبكي لما حضر ابن بنته و هو ينازع في مرض موته و بكى لما مات ابنه ابراهيم و لم يقل إلا خيرا.
و كان صلى الله عليه و سلم ناصحا لأهله ينصح لهم في الدين فلا يقول إلا حقا و ينصح لهم في الدنيا فيصيب و يخطئ [1] كحال البشر و إن كان من أكملهم عقلا و خلقا و لا ينقص ذلك من قدره بل هو إثبات لبشريته صلى الله عليه و سلم و لهذه المسألة فوائد راجع بحث ضوابط و معايير فهم أحاديث الطب النبوي.
(1) و لذلك أمثلة منها:
أ - حديث تأبير النخل في صحيح مسلم،"قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فإذا هم يأبرون النخل -يقول: يلقحون النخل- فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت، فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر". وشبيه به قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر، فما حدثتكم عن الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب".
ب - قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما أنا بشر، فإذا أمرتكم بأمر دينكم فاقبلوه، وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر"، وفي رواية:"أنتم أعلم بدنياكم."