فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 262

و لذلك كانت التفريط و المعاصي لا تخرج الإنسان للكفر لأنه معترف بحق ربه و معترف على نفسه بالظلم أم الاستحلال أو الجحود فيخرج العبد للكفر لأن فيه المعنى الذي أسلفناه.

فالكون كله و ليس الإنسان فقط ليسوا أحرارا بل هم عبيد لله مخلوقون مربوبون ليس لهم حق تصرف الحر و إن كانوا ابتلوا أنهم على صورة الأحرار يتصرفون كيف شاءوا و هم لا يملكون في الكون أقل من ذرة و لا يستطيعون لأنفسهم فضلا عن غيرهم أي شيء مطلقا و إنما حولهم و قوتهم بما أقدرهم الله عليه و ملكهم ما ملكهم الله إياه.

و من وقع في تلك الخطيئة فقد ارتكب أعظم الظلم قال تعالى"و الكافرون هم الظالمون"و قال سبحانه حاكيا نصيحة لقمان لأبنه"يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم".

و الله سبحانه له حق الألهية و علينا العبودية و لكنه أكرمنا بفوق ما يخطر لنا ببال من النعم و فوقه ثوابه في الآخرة كرما منه و جودا و الحديث عن هذا يحتاج لبسط.

4 -الكافر جحد حق الربوبية و ظلم نفسه بتعريضها لغضب الجبار و عداوته لذلك كان عاقبة هذا الظلم و مصيره أسوأ مصير في الكون فخطيئة الكفر ليست كأي خطيئة فالكافر عرض نفسه لعداوة الله و عقوبته الأبدية و قد أعد الله له عذابا أليما يُخلد فيه لا يناله رحمة و لا عفو بل هو ملعون مطرود من رحمة الله و تأمل في قوله سبحانه"فسحقا لأصحاب السعير"الله سبحانه مالك الملك رب العالمين العظيم القدير يقول لهم سحقا لكم فماذا يغنى عنهم غيره و من يجيرهم من عذابه و لو تمتعوا في الدنيا سنين طويلة هي في عمر الزمان لا تساوى شيئا.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم"لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون , و فيه رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد و من فيه"صححه الألباني في الصحيحة.

5 -إنما النعيم و الجنة في الدنيا و في الآخرة في القرب من الله و أعظم أهل الدنيا أو الآخرة سعادة أقربهم من الله فأسعد أهل الدنيا الأنبياء و المرسلين و المصطفين من المقربين من الصديقين و الشهداء و الصالحين و بالعكس فالشقاء في الدنيا و الآخرة في البعد عن الله و أعظم أهل الدنيا أو الآخرة شقاء أبعدهم عن الله و أشقى أهل الدنيا إبليس و شياطين الإنس و الجن و كلما زاد البعد زاد الشقاء.

لذلك كان السحق: البعد هنا في الآية عقوبة و لذا كان كتاب الفجار في سجين و هي الأرض السفلى كما صح في الحديث و كتاب الأبرار في عليين و هي مشتقة من العلو.

و الخلاصة في كلمتين السعادة هي القرب من الله و الشقاء هو البعد عنه سبحانه و الناس في ذلك درجات اللهم أجعلنا من المقربين.

6 -و الكفار رغم هذا البلاء و العذاب لا تزال قلوبهم على الجحود و النكران قال تعالى:"و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضل سبيلا"و قال سبحانه:"وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) ".

فلا تحسبن أنهم ظُلموا فهم اعترفوا بحجة الله عليهم و أقروا بها لكنهم لو عادوا للدنيا لعادوا للتكذيب فاستحقوا الخلود في النار و لله الحجة البالغة و الله اعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت