إن المطلوب من الدَّاعِيَة في مجتمعات المسلمين هو تغيير المجتمعات وتسييرها إلى ما هو أحسن لا مسايرتها ومداهنتها، فهذه والله هي مهمة الأنبياء والمصلحين من بعدهم، وهذه هي الحياة السعيدة للعالِم والدَّاعِيَة، وإلا فلا معنى لحياة الدَّاعِيَة والعالم ولا قيمة لها إذا هو ساير الناس واستسلم لضغوط الواقع وأهواء الناس. إن العالم والدَّاعِيَة لا قيمة لحياتهما إلا بالدعوة والتغيير للأحسن، ولا شك أن في ذلك مشقة عظيمة؛ ولكن العاقبة حميدة بإذن الله تعالى في الدارين لمن صبر وصابر واستعان بالله - عز وجل -.
ومن أخطر صور فتنة مسايرة الواقع مسايرة ركب الغرب في بعض الميادين من قِبَلِ دعاة العصرانية [1] من أبناء المسلمين، وهم لا يعترفون بأنها
مسايرة؛ ولكنهم يسمونها تجديدًا وتطويرًا يناسب العصر، وتحت هذا المسمى يقضون على كثير من الثوابت الشرعية ويتحللون من شرع الله - عز وجل - باسم
التطوير وهو في الحقيقة مسايرة للواقع الغربي وتقليد أعمى وانبهار بإنجازاته
المادية بل الهزيمة النفسية أمامه؛ والغريب في أمر هؤلاء أنهم يرفضون التقليد ويشنعون على من يقلد سلف الأمة ويتبعهم، وعلى من يبقى على الموروث
لا يتجاوزه ولا يطوره، ثم هم في الوقت نفسه يسقطون في تقليد الغرب ومحاكاته بصورة لا تدع مجالًا للريب والشك؛ وهم الذين يتشدقون بالعقلانية
(1) للتوسع انظر كتاب: (العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب) للأستاذ محمد حامد الناصر.