الدَّاعِيَة البصير .. ويبقى التطبيق العلميّ والممارسة الفعلية للتقرير النظريّ، والنقطةُ الثانيةُ تعالج هذا الأمر وهي:
النقطة الثانية: يستفاد من قول شيخ الإسلام المتقدم: «فالعملُ الواحدُ يكون فعله مستحبًا تارةً، وتركه تارةً، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه بحسب الأدلة الشرعية» ، وكذلك قوله ~: «فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر، وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرًا. فأما مراتب المنكر ومراتب الدليل، بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتدعو إليه، وتنكر أنكر المنكرين: وترجح أقوى الدليلين، فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين» [1] .
أنَّ الدَّاعِيَة لكي يوازن بين المصالح والمفاسد لا بدَّ له من الجمع بين القوة العلمية والقوة العملية - وسيأتي أنَّ الدَّاعِيَة البصير يجمع بين القوتين: العلمية والعملية قدر المستطاع - فليست المسألة خاضعة لرغبات شخصية، وأهواء فردية، وتوجهات حزبية لو فتح لها الباب لغيرت مراسيم الشريعة، وألغت
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 28) تحقيق: محمد حامد، ط 2، 1369، مطبعة السنة المحمدية.